توفيق اكليمندوس

هل انتهت أزمة السترات الصفراء؟

شارك الخبر مع أصدقائك

متى تتحول انتفاضة إلى ثورة؟ الثورة هى حركة شعبية واسعة٬ تحشد جماهير من طبقات اجتماعية مختلفة٬ وتأييد الملايين٬ تحاول إسقاط حاكم ونظام حكم وإعادة تأسيس قواعد اللعبة من خلال عقد اجتماعى وسياسى جديد٬ وتطالب بتصفية النخب القديمة وتغييرها – هذه هى الثورة… سواء نجحت أم لا.

وليس من الضرورى اتفاق كل المشاركين على تصور واحد للمستقبل٬ يكفى اتفاقهم على إسقاط النظام.

وتعلّم الحكام تدريجيًّا كيف يمكن مواجهة الثورات. المد الثورى يتكون عامة من جبهة تتشكل من فصائل معتدلة وأخرى متطرفة٬ على الحاكم تقديم تنازلات تقسم تلك الجبهة٬ لإرضاء فصائل ولبّث الخوف فى صفوفها من الفصائل الأخرى ومن استمرار الفوضى.

طبعا هذا الكلام النظرى يحتاج إلى مهارات تترجمه إلى واقع٬ لأن التوقيت مهم مثلا – تنازلات مبكرة وكبيرة قد تشجع المد الثورى على المطالبة بالمزيد- وقدرة مالية وسياسية على تقديم التنازلات.

اقرأ أيضا  لماذا فشلت المخابرات الأمريكية فى فهم إيران

تقديم تنازلات: هذا ما فعله الرئيس ماكرون. كان يواجه وضعا غير تقليدي. حركة دون قائد تحشد عبر شبكات التواصل الاجتماعى – فيس بوك تحديدا. الحشد ضعيف نسبيا.. يعتمد أساسا على الشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى من مدن المحافظات٬ ولكنه عنيف ومستمر وطويل النفَس، والأهم من ذلك أن المظاهرات حصلت على تأييد كاسح من الرأى العام.

قرر الرئيس بعد تردد ساهم فى تدهور الأوضاع إلغاء الضرائب الجديدة التى تسبب إقرارها فى اندلاع الاحتجاجات٬ وأقر زيادات فى الرواتب ستكلف الميزانية الفرنسية ما يزيد على 12 مليار يورو، ودعا إلى تنظيم حوار وطنى عام يستمر شهرين ويشارك فيه كل المواطنين الراغبين فى هذا.

فى كل حى أو قرية يحق للمواطنين تنظيم اجتماعات تناقش قضايا حاول النظام حصرها فى أربع نقاط، القدرة الشرائية٬ الإصلاح السياسي٬ تحسين أداء الدولة والمرافق العامة٬ سبل تمويل عملية الانتقال إلى مجتمع نظيف بيئيا، ومن الواضح أن هناك من سيقحم قضايا أخرى فى النقاش – الهجرة والعدالة الضريبية والمطالبة بإعادة فرض بعض الضرائب التى ألغاها ماكرون على الأغنياء.

اقرأ أيضا  العرب يواجهون تحدياً مصيرياً فى الحرب الباردة «القيمية»

ولم يحدد الرئيس مسلكه بعد انتهاء فعاليات المؤتمر٬ الذى نظمه على خلفية ما عرف باحتجاجات السترات الصفراء، والمرجح أنه سيجمع بين بعض الإجراءات وتنظيم استفتاء على بعض النقاط. انتقده الكثيرون لموقفه الغامض ولن ننضم إليهم٬ لأنه لا يستطيع التعهد بتنفيذ كل التوصيات وبإرضاء كل المطالبين.

ما هو الوضع الآن؟ وضع الرئيس تحسّن كثيرا ولكن الأزمة لم تنته بعد. استرد الرئيس رباطة جأشه ونظم الحزب الحاكم صفوفه بعد تردد وانقسام داما شهرًا٬ تحسنت شعبية ماكرون تحسنًا كبيرًا وإن ظلت منخفضة نسبيًا٬ نجح فى فرض معادلة «إما أنا أم المتطرفين من أقصى اليمين واليسار». ساعده فى ذلك دون شك الأداء السيئ جدا لليمين التقليدى (حزب الجمهوريين)٬ أداء ترتب عليه تأييد أغلبية ناخبى هذا الحزب للرئيس ماكرون باعتباره أخف الأضرار وحامى الشرعية، ولعبت براعة الرئيس فى الحوارات التى أجراها مع العُمد دورًا فى تحسين صورته.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1228).. الإمام الطيب والقول الطيب (61)

ولكن الأزمة لم تنته بعد، فمن ناحية ما زالت حركة السترات الصفراء قادرة على حشد عشرات الآلاف٬ وما زالت تتمتع بتأييد نصف الفرنسيين تقريبًا – أى أن شعبيتها ما زالت أحسن نسبيًّا من شعبية الرئيس. والأخطر من ذلك ما تبرزه استطلاعات الرأي، ما زال المطلب الرئيسى للفرنسيين بكل طوائفهم وفصائلهم تحسينا سريعا إن لم يكن فوريا للقوة الشرائية التى يتمتعون بها والتى انخفضت كثيرا فى العقد الماضي، وهذا المطلب تحديدًا لا يستطيع الرئيس الاستجابة إليه نظرا لأحوال فرنسا المالية ولا يرغب ذلك. عود الكبريت ما زال قريبا من برميل البارود.

  • أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »