شريف عطية

هل «السخرية» هى الحل؟

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية

حين لا يتصف أهل الحكم بالكياسة، أو يعجز المنطق وصوت العقل عن مقاومة الأثرة والتعصب والتسطيح السياسى، فلا مفر إذن أمام المصريين- والحال كذلك- غير الارتداد لما سبق لهم تجربته.. بالتعليقات اللاذعة طوال عهود مشابهة مضت، يتناقلونها فى الغرف المغلقة، يقاومون من خلالها الكبت والاضطهاد، إلا أن الأمر بات مختلفاً بعد كسرهم حاجز الخوف من نمور «ورقية» حسبوها من قبل «حقيقية»، كإحدى الثمار القليلة لانتفاضتهم الجماهيرية يناير 2011، ولتشيع منذئذ السخرية من حكام جدد باتوا على ذات النهج «الأوتوقراطى» لأسلافهم، مع فارق بسيط فى تداولها اليوم- بغزارة، غير مسبوقة- على رؤوس الأشهاد، إذ ربما يرعوون من رأس الذئب الطائر، وتتجنب البلاد أخطار اصطدام وشيك أو- بأقله- تأجيله.

إلى ذلك، فقد تحولت «السخرية» من أهل الحكم إلى ظاهرة لم تكن مسبوقة إلا من وراء ستار، ليشيع تداولها فى وسائل الإعلام ومن خلال أعمال فنية.. وعبر شبكات التواصل الاجتماعى.. وفى المجالس والمنتديات على مختلف مستوياتها.. دون أن يملك المريدون والموالون للسلطة.. منطق الدفاع أو حتى ملكة الخيال لمجاراة منتقديهم بتعليقات ساخرة مضادة، مع استبعادنا لجوقات «الردح» المتبادل بين الطرفين، الموالاة والمعارضة، كأمر غير لائق أو مستساغ، لا سياسياً ولا أخلاقياً.

على صعيد مواز، قد يقول قائل.. ما العمل إذن لمواجهة المحتكرين مفاصل السلطة.. فلا يتركون لغيرهم متنفساً غير «السخرية» والانتقادات اللاذعة لقرارات متعجلة غير مدروسة يتم التراجع عنها قبل أن يجف مدادها، أو أمام الشهية الشبقة نحو السلطة لصالح تيار معين دون الآخرين.. إلخ، وهى أمور خليقة بالسخرية التى لا يملك المعارضون غيرها للعمل على الانكشاف السريع للأجندات السلطوية أمام الشارع المصرى، خاصة بعد ما تبين بأسرع من المتصور تدنى المنحنى البيانى لأداء التحالف الإخوانى- السلفى، وخطابه السياسى غير المتين بما يكفى للاستمرار فى تقلد مقاليد البلاد.. من دون التضحية بتكلفات عالية، اقتصادية واجتماعية وعلى مستوى العلاقات الخارجية، خصماً من الرصيد الوطنى بمجمله.. بما فى ذلك المشروع الإسلامى برمته.

ومما يضاعف من حجم السخرية، وهى على أى حال ليست أفضل السبل للإصلاح، عجز القوى السياسية المعارضة عن الالتفاف حول برامج محددة أو على قلب حزب واحد، إلى جانب إخفاق الحكومة بدورها فى مباشرة مسئولياتها، وحيث لا يكون من المستبعد عندئذ التسليم بفشل الثورة، والعودة من ثم إلى المربع صفر، أو أن يغدو الخيار العسكرى مطلباً شعبياً عريضاً.. مع ما يمثله ذلك أيضاً من انتكاسة الثورة، فكراً وواقعاً وشرعية، فضلاً عن إهدار تضحيات وآمال المصريين.. الذين ليس فى مقدورهم، والطرق أمامهم مسدودة، سوى السخرية من حكامهم والمعارضة.. وربما من أنفسهم أيضاً، لعلهم من خلالها يضعون الطبقة السياسية أمام مسئولياتها، وإن عز ذلك.. فوسيلتهم لاستئناف الثورة.. تتلخص فى معركة الصورة والخيال.. لكى يتجاوزوا من خلالها «جدار اليقين» الذى لا سبيل للنفاذ إليه.. غير سلاح السخرية، والله أعلم.

شارك الخبر مع أصدقائك