هل التفتنا إلي سوق النخاسة؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

أعرف من حال الفقر المدقع في مصر، ما دفعني إلي كتابة نحو مائة وخمسين مقالاً عن مخاطر هذا الفقر، ومخاطر اتساع الهوة الضخمة أصلاً بين الأغنياء المتنعمين، وبين الفقراء الذين لا يجدون ما يقتاتون به، وينامون حيث يقضون حاجاتهم، ويشربون من حيث تشرب الكلاب والبهائم، تتلاحم أجسادهم وأنفاسهم في المقابر والعشوائيات حتي ارتدوا إلي ما يشبه الحيوانية وتفشي بينهم زني المحارم!!!

 
وأعرف من حال أطفال الشوارع ما دفعني إلي كتابة عدة مقالات عن الطفولة المشردة الهائمة بين الخرابات ومقالب الزبالة، نشرت تباعًا بالأهرام، وأعدت نشرها بكتاب: »الهجرة إلي الوطن« (كتاب الهلال العدد683 ـ نوفمبر 2007)!!

 
جدد الأحزان، مع رنين قرعات الأجراس، عنوان صافع حملته بعض صحف الأربعاء 29/6/2011، نقلا عن تقرير للخارجية الأمريكية.. يقول المانشيت: »مليون طفل مصري يتعرضون للإتجار بغرض السخرة والجنس والتسول«!!! ويضيف المانشيت نقلا عن تقرير الخارجية الأمريكية : »الاضطرابات السياسية زادت معدلات الاتجار بالبشر«!!!

 
أورد التقرير الأمريكي السنوي عن »الاتجار بالبشر« ـ أن هناك ما قد يصل إلي مليون طفل مصري من »أطفال الشوارع«، من الفتيان والفتيات، الذين يتعرضون للاتجار بالجنس والتسول القسري، الذي تمارسه ـ كما جاء بالتقرير ـ بعض العصابات المحلية، حتي صارت مصر »مقصدًا« أو »سوقًا« ـ إن شئت الصراحة!.. للنساء والفتيات والأطفال الذين يتعرضون لظروف العمل القسري والإتجار بالجنس!

 
       ربما يظن أن الأطفال الذين يعملون بالمزارع والبيوت، وتحت السن الذي يسمح به قانون العمل، أسعد حظّا أو آمن انتهاكا من أطفال الشوارع والخرابات ومقالب الزبالة، ولكن التقرير الأمريكي الصافع يكشف عن أن من يتم دفعهم للخدمة في البيوت أو العمالة الزراعية، يواجهون قيودًا حادة وانتهاكات متعددة، ما بين تقييد التحرك فيما يشبه الأسر، أو عدم دفع الأجور، أو اغتيال ذويهم لها، فضلا عن الاعتداءات والتهديدات البدنية، أو الاعتداء الجنسي!

 
ويتحدث التقرير عما بات معروفا للجميع، ونغضي عنه الطرف خجلا أو عجزا، يتحدث عن قيام الرجال الأثرياء من دول الخليج بالسفر إلي مصر لشراء ـ نعم شراء !.. زوجة مؤقتة من الصبايا، أو ما يسمي بالزواج الصيفي، لفتيات صبايا لا مانع من أن تقل أعمارهن عن الحد الأدني للزواج مع تسهيلات من باعوا ضمائرهم من الموثقين أو محرري الزيجات العرفية وعصابات تزوير شهادات الميلاد لزوم صفقات الزواج.. هذه الصفقات التي دخل فيها الآباء والأمهات بائعين بالدراهم والدينارات والدولارات لبناتهن اللائي يعدن إلي مصر بعد شهور وقد حملت بعضهن أجنة في أرحامهن، ثمرة للمتعة التي حصل عليها الشيوخ من الصبايا لقاء الدنانير والدولارات، ثم تتحمل مصر إعطاء الجنسية المصرية لهؤلاء المواليد الذين يدفعون للضياع، بينما مصر التي تئن أصلاً بأحمالها ـ وتضيف إليها أحمالاً جديدة بلا عقل ولا منطق أجرفنا إلي ذلك قانون الجنسية الجديد تحت ضغط هواة لا يحسنون شيئا وفرضوا كلمتهم في كل شيء، ومر القانون بالمجلسين البرلمانيين رغم ما أطلقته وبعض القلة من صيحات التحذير علي هذه الكارثة التي تشجع الآباء والأمهات علي بيع بناتهن وقد أعفاهم القانون، كما أعفي شيوخ الثراء ـ  من تبعة ما تقذف به هذه النخاسة اللاإنسانية من مواليد لا يبالي بهم الأب المتمتع، ولا تحسن الأم التي بيعت كالبهائم تربيتهم وتنشئتهم!!

 
هذا الجو الفاسد الموبوء، قد شجع علي اتخاذ مصر المنكوبة بالعديد من الكوارث ـ سوقا لترويج النخاسة والاتجار بالجنس وبالأطفال.. أورد تقرير الخارجية الأمريكية أن مصر أمست بلدا المقصد للنساء »العراقيات« لممارسة الأساليب غير المشروعة، كما صارت »معبرا« للاتجار بالنساء من أزبكستان و مالدوفيا وأوكرانيا وروسيا، وغيرها من بلدان أوربا الشرقية، وكشف التقرير ـ لمن لا يعلم !! ـ أن إسرائيل تقوم بممارسة تجارة البشر، وتقدم علي تهريب »العاهرات« من خلال الحدود المصرية المشتركة معها، لاستغلالهن في التجارة الجنسية.. وسكت التقرير الأمريكي عن الإشارة إلي مهام أخري يضطلعن بها في اختراق الأمن القومي لمصر والمصريين!!

 
ولكن التقرير الأمريكي ـ في المقابل ـ تحدث عما نتحرج نحن من الحديث فيه مخافة الاتهامات الجائرة.. فقال التقرير ـ الأمريكي ـ إنه ساهم في تدني معايير مكافحة الاتجار بالبشر في مصر ـ  الاضطرابات التي عمت البلاد في أعقاب ثورة يناير 2011 وما لابسها من انتشار فوضي اختلط فيها الحابل بالنابل، وتداخل الأغراض والمآرب، ونحن لاهين عما يجري لأطفالنا وفتياتنا اللائي عضهن الفقر والجوع فصرن سلعة في سوق الجنس والنخاسة.. فهل استيقظنا لنواجه هذا الواقع المر بما يستوجبه من تفكير وتدبير؟!!!

شارك الخبر مع أصدقائك