هكذا يفكر دون كيشوت

شارك الخبر مع أصدقائك

رمضان متولى

يحارب الهواء ويعتقد أنه وحده أقوي من جيش عرمرم، ويعيش وهم البطولة بانتصارات زائفة في معارك وهمية، لم يخضها ولم يتبعه فيها أحد، وتنتهي رحلته إلي مأساة بعد اكتشافه أنه لم يتقدم خطوة واحدة للأمام، فيبدأ في تبرير أمره أمام نفسه، يدغدغ ذاته الجريحة بأن يلقي اللوم علي الأتباع المفترضين، الذين لم يستشرهم في خوض المعركة، ولم يفعل شيئا ليصبح قائدا حقيقيا لهم، فلم يكن دون كيشوت يملك إلا سيفا خشبيا وحصانا خشبيا، ولم يتبعه إلا حمار سانشو.
 
دون كيشوت اليوم سوف يتهم جماهير الشعب المصري بالجبن والخنوع زاعماً أنهم يستحقون الإذلال والقهر الذي يعانون. سوف ينظر إلي نفسه في مرآته المقعرة، ويري هيئته ضخمة هائلة في المرآة، وقد ارتدي بزة مهلهلة حرص علي تزيينها بنياشين وأوسمة شتي يعود تاريخها إلي عصور سحيقة، ويقول لنفسه: »ها أنذا بطل لا يباري، وقد حاربت وحدي صفوفا متراصة من الجنود ذوي الدروع والنصال، لكن أتباعي الجبناء خانوني، وتركوني أعاني مرارة الهزيمة«. ويستطرد: »لا أنا لم أهزم، فقد انتصرت لأنني لبيت النداء، وأقمت أساطير البطولة في ساحة المعركة«.
 
بلاهة دون كيشوت لا يعادلها إلا بلاهة من يصدق أوهامه، لأن المعارك الكبري لا تحددها إرادة أفراد حتي ولو كانوا أبطالا في القصائد الرومانسية، ولأن القادة لابد أن يكونوا قادة حقيقيين، ولا يصبحون كذلك إلا إذا اعترفت لهم الجماهير بالقيادة، والجماهير لا تتبع قائدا إلا إذا اختارت المعركة، وإرادة القائد لا تقرر الانتصار في المعارك، وإنما تحسمها بطولة الجماهير.
 
إضراب 6 أبريل الماضي لم يحدث، لأن العمال والموظفين لم يقرروا المشاركة، ولأن من دعوا إليه قادة من نوع دون كيشوت، لا صلة لهم بجماهير حقيقية مستعدة للمشاركة. لا يعني ذلك أن هذه الجماهير متخاذلة أو جبانة، لأن هذه الجماهير نفسها خاضت معارك سابقة حقيقية وسقط في صفوفها شهداء حقيقيون، وكان من بينهم أبطال حقيقيون عرفوا خطورة المعارك وقرروا خوضها. ولأن الجماهير لا تخوض المعارك من أجل المعارك، ولا من أجل حل المشكلة النفسية لأفراد فاض بهم الكيل ولا يطيقون الصبر والعمل الدءوب أو لا يعرفون دروبه، فلم تخرج حشودهم  معلنة العصيان والإضراب في6  أبريل الماضي استجابة لدعوة قررها أبطال افتراضيون. وإذا كنا نعتقد أن جماهير الشعب المصري غاضبة وترغب في تغيير الأوضاع السائدة وتعاني من أزمات طاحنة، فينبغي أن ندرك أيضا أن الشعوب لا تتحرك إلا إذا أصبحت واثقة في قدرتها علي تحقيق أهدافها.
 
الشجاعة والحسم يعتمدان علي إدراك واضح للخطوة التالية – لا يعرف أحد من هؤلاء الأبطال الافتراضيين الذين دعوا إلي إضراب 6 أبريل الماضي ما هي الخطوة التالية، ولا يستطيع أي منهم أن يزعم أنه أقنع الجماهير بتلك الخطوة التالية، أو حتي عرف ما تصبو إليه الجماهير الذين يدعوهم إلي الإضراب، لأن هؤلاء الأبطال ببساطة لا صلة لهم بتلك الجماهير.
 
المراهنة علي الأزمة والغضب وحدهما في دفع الجماهير إلي طواحين المعارك مراهنة خاسرة، ونتائجها غالبا ما تكون الفشل كما أثبتت دعوة الإضراب في 4 مايو 2008 وفي 6 أبريل من العام الحالي. ولا يحق لأي »دون كيشوت« أن يلقي بأسباب فشله علي شماعة تخاذل الجماهير وجبنها، كما أن فشل هذه الدعوة للإضراب لا ينبغي أن تدفعنا إلي الإحباط والتخاذل مستقبلا، لأنها لم تكن دعوة قائمة علي إعداد جيد، ولم تكن نابعة ممن يخوضون المعارك الحقيقية، الذين يحتاجون إلي بناء قدراتهم، وتحديد أهدافهم ووجهتهم حتي يصبحوا أكثر ثقة وشجاعة وحسما في المعارك القادمة، وأكبر شاهد علي ذلك نجاح الإضرابات التي قررها أصحابها، ونظموها بأنفسهم بقادة من بين صفوفهم يعرفون مطالبهم ومصالحهم وقدراتهم ويحوزون ثقتهم، وهم في ذلك يختلفون عنك تماما يا كيشوت.
 
إذا انكسر سيفك الخشبي يا كيشوت، وكل حصانك من الركض العبثي في منطقة الصفر، وتركك الجميع تصارع الوهم وحيدا في صحراء العبث، واخترت بعد ذلك أن تلوم الناس كبرا وترفعا، عليك أن تقنع بصورة هيبتك وبطولتك الزائفة في مرآتك المقعرة إلي أن تموت في مأساتك التي لن يخلدها التاريخ.

شارك الخبر مع أصدقائك