هـــل اليوم أفـــضل من الغـــد؟

شارك الخبر مع أصدقائك

:  شريف عطية
 
المتأمل اليوم للخريطة الاجتماعية السياسية للعالم العربي، يلحظ من وراء حالة الاحتراب الأهلي الداخلي التي تغشاه من مبدئه إلي منتهاه.. تلك التكوينات التعصبية المتعددة المتباينة، المنحدرة فيما يبدو إلي ما قبل العهد العربي.. حيث توحدت عبر ماضيها الطويل أكثر من مرة -تحت القهر والسيطرة- في ظل حكم امبراطوري، ثم تاليا.. في إطار حكم خلافي أو سلطاني أثناء العهد العربي، قبل أن تلتقي أخيراً.. بالاقتناع والاختيار في ظل «الجامعة العربية».. التي تعتبر بدعة تنظيمية اقتبسها العرب من الخارج منتصف القرن العشرين تقريبا.. مثلما اقتبسوا الدستورية والليبرالية والقومية والاشتراكية والماركسية، ولأنهم تعاملوا مع قشورها دون مضمونها.. فإنهم يتعثرون في مباشرة مسئوليات بدعتهم التنظيمية.. كما تعثروا من قبل في مباشرة غيرها من المقتبسات الأيديولوجية التنظيمية، الأمر الذي عجز معه النظام العربي.. ليس علي وقف الانقسام المطرد لتكوينات خريطة الاجتماع الأهلي العربي الدينية والمذهبية والطائفية والعشائرية.. إلخ، بل علي العكس.. فقد بدت تلك التكوينات المتضادة قادرة علي التجدد في كنف الحداثة، وهي الظاهرة التي أرّقت بحسب المراقبين- الماركسيين الباحثين منذ نصف قرن عن مجتمع طبقي صاف وخال من الانقسامات، لكي يتطابق مع المادية التاريخية، مثلما هي اليوم تؤرق الليبراليين العرب المدافعين عن فكرة الانتصار الكوني لليبرالية علي القديم.

 
. الأمر الذي يطال وحدة المجتمع العربي واستقراره السياسي والاجتماعي.. إذ يصبح مجتمعا عصبويا متعدد التكوين لمجرد أنه يزدحم بجماعات فرعية (من دون وطنية) تعرّف ككيانات ذات طبيعة مؤسسية تختلف عن غيرها بالدين أو المذهب أو الإثنية أو روابط الطائفة والعشيرة.. إلخ، ولتستقل بنفسها عن الدولة الأم -لضعفها المركزي- حيث تصبح دولة صغري داخل الدولة الوطنية الجامعة.. ناهيك عن المستوي القومي، وهو عجز جلل يُردّ إلي غياب مشروع سياسي ومجتمعي حديث لدي النخبة في الدولة أو علي  مستوي «الجامعة العربية».. فيما يتراجع مستوي الانتماء والولاء -بطبيعة الحال- إلي ما هو قبل القومي والوطني، إلي حيث تلك العصبيات القاصرة التي تملأ كلا من الساحتين -القومية والوطنية.. صخبا وتدميرا.. علي النحو المشهود هذه الأيام.
 
في إطار هذا السياق، وفيما الجرح العربي النازف أنهاراً.. يحتاج لمن يضمّده، يحلو للبعض في تلك اللحظات الفارقة.. أن يدعو مصر أن تخلع عن نفسها رداءها القومي.. فيما يتعرض نسيجها الوطني في الوقت ذاته لمحاولات أخري شبيهة لتمزيقه، ربما ليعيد التاريخ نفسه بصورة أكثر مأساوية.. حين تخلت مصر منذ منتصف السبعينيات عن كونها قطبا قادراً -ولو نسبيا- علي ضبط تفتت العالم العربي، وما يخطط للإيقاع به في أتون ميوله الاحترابية الكامنة.
 
لقد أصبحت أحداث العالم العربي تتصدر أخبار الفضائيات ووكالات الأنباء، ليس بانجازاته.. إنما بمآسي الاحتراب الداخلي علي امتداد الستار العربي الإسلامي من طنجة إلي عُمان، ومن القرن الأفريقي حتي أقصي شرقيّ السويس، وفي قلب الوحدات السياسية التي تشكلت منذ نحو قرن إلا قليلا إثر النعاس القومي الذي خيمّ علي شعوبهم ردحاً طويلاً من الزمان، وما إن خيّل لهم أن الصحوة الوطنية القومية في سبيلها للنهوض بهم بعد قهر المستعمر، وعسف واجهاته المحلية.. إذ يُبتلون عبر النصف الثاني من القرن العشرين بسلسلة من انقلابات عسكرية متتالية.. لم تكن أقل بطشا أو استبداداً من الواجهات العربية التي صنعها الاستعمار في بدايات القرن، ولتنزع الانقسامات الناشئة مجدداً، والغيرة الدبلوماسية المصطنعة فيما بينهم.. عن الجرح القديم.. غشاء التعافي الرقيق الذي لم يكن  قد التأم إلا في التو، فإذ بالقيح المذهبي والطائفي والإثني والعشائري.. يطفو من جديد، ويتفاقم عبر السنوات الأخيرة إلي أن يصل لتلك الحالة المأساوية من الاحتراب الداخلي الجارية هذه الأيام.. في مشهد حزين بين احتضار الرمز الوطني وافتقاد الواقع القومي.. اللذين باتا في معركة غير متكافئة.. يواجهان سويا خصوما عديدين، ابتداء من بطش قوي الهيمنة الدولية، إلي تقاعس الأنظمة الحاكمة الإقليمية، انتهاء بتهافت نخب محلية متنفذة من أصحاب المصالح والأعمال «الكومبراديون».. تتوافق اتجاهاتها مع الأجندة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، بينما لا يقف إلي جانب الواقع القومي، والرمز الوطني المثخنين بالجراح غير رأي عام دون حول ولا قوة من فرط اعتياده طاعة حكامه، ولعدم الميل إلي الثورة والتمرد إلا لماما، وحيث تتكفل إسرائيل بإحباطه إلي حدّ اليأس كل بضع سنين، ذلك قبل أن تنشط واشنطن مؤخرا إلي تحريك الأحداث بالمنطقة إلي هذا المنزلق المدمر من التفتيت Fragmentation … باحتلالها العراق، وبإصرارها علي تسييس محاكمة مقتل «الحريري»، وفي ضغوطها علي السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات 2006 تعلم مسبقا أن الفائز فيها -بسبب الفساد- هو منظمة إرهابية من وجهة نظر أمريكية، يستحق الشعب الفلسطيني إزاء انتخابها.. التجويع والمقاطعة مما يفجر الاقتتال الداخلي في فلسطين علي غرار ما يحدث بالعراق ولبنان، وصولا لمحاولاتها عزل سوريا بحيث باتت تكلفة الإبقاء علي نظامها يفوق كلفة الحرب الأهلية، بالإضافة إلي تأليبها طرفا ضد آخر عبر تقاريرها عن الحالة الدينية في مصر، الأمر الذي يحذر منه شيخ الأزهر في لقاء له منذ أيام مع طلبة الجامعة الأمريكية.. بأن استمرار العنف بين الأقباط والمسلمين سوف يهدد بتحويل مصر إلي عراق آخر، وما إلي ذلك من ظواهر احترابية تتكرر في جنوب السودان وفي غربه، وفي الصومال.. إلخ، الأمر الذي يعبّر في حقيقته عن فشل للقيادات الحاكمة في هذه البلدان.. سوف يؤدي إلي أن تسقط معها أوطانهم.. طالما أن مستوي الولاء أصبح لما هو دون الوطني والقومي .. أي للطوائف والعشائر والإثنيات والعائلات، ربما تميهداً لظهور جيل جديد من الناشطين والقادة والحكام المحليين يجري إعدادهم علي قدم وساق، وعبر ورشات عمل تنعقد تحت مرأي وسمع الجميع، لإحداث الاعتدال ولتغيير مسارات الخيارات المصيرية، بما يتوافق مع «عولمية» ما يسمي «باللبراليين الجدد» العابرة للقوميات وللأوطان، ومع ذلك فقد كشف مؤتمر «البتراء» الذي انعقد الأسبوع الماضي بالأردن -مثالا لا حصرا- وضم إلي جانب كوكبة من القيادات العالمية الفكرية والسياسية والإعلامية والأكاديمية.. حوالي 40 من الحائزين علي جائزة نوبل للسلام، ومنهم شيمون بيريز، إذ كشفت مناقشات المؤتمر أن الجانب الإسرائيلي هو الذي يرفض التغيير، بل ويضع العراقيل أمام الموجة العربية المعتدلة المتهافتة علي دفع الأمور نحو التغيير، إذ عملت الأوساط الإسرائيلية والداعمون لها في المؤتمر -ضمن ما ابتدعته لنسخ الوقائع- علي إلغاء ورفض تعبير «الاحتلال» وصفا لوضع الأراضي الفلسطينية المحتلة.. مثلما جاء علي لسان «بيريز» نفسه.. «لا يوجد شيء اسمه الاحتلال» رافضا تطبيق ذلك المصطلح علي الدور الإسرائيلي مع الفلسطينيين، وهو ما جري تغييبه بالفعل وتجنبه خلال المناقشات التالية لوقائع المؤتمر.
 
في سياق ذلك المناخ، وإزاء حالة الجمود السالبة التي تأخذ بمجامع القوي الرئيسية في العالم العربي.. وهي الناتجة أساساً من جراء نفي كلّ للآخر، الراديكاليين الممانعين.. والمحافظين المعتدلين، إذ تتسلل من خلال السيولة القائمة.. قوي الخارج لحسم مخططها القديم الجديد لتفتيت المنطقة، تمهيدا لأن يقبل العرب.. وهم علي هذه الحالة من التردي، بتسويات مجحفة لقضاياهم المصيرية، تكرس ما سبق اغتصابه من الحقوق المسلوبة، وحيث ينادي البعض من الملوك والعامة علي السواء.. بأن اليوم أفضل من الغد.. «إذ لن يتبقي ما يجري التفاوض بشأنه»،، وهو قول قد يكون صحيحا في ظاهره طالما الشعوب تتقاتل فيما بينها، وطالما مقاليد هذه التسويات وخياراتها في أيدي حكام من جيل الهزيمة «الواقعيين»، أو ربما -قد تكون رهن جيل جديد قادم.. ليس واضحا حتي الآن عما إذا كان بمقدورهم.. مباشرة مسئولياتهم المقبلة علي غير ما خلّف السلف في آنياته، أم أن الغد المنتظر علي أيديهم لن يكون أفضل حالا من اليوم علي أيدي آبائهم

شارك الخبر مع أصدقائك