سيـــاســة

نعمة العقل (3 – 3)

قد لا نغالى إذا قلنا إن كل صور المغالاة بقاىا همجىة غىر متفقة مع الإنسانىة.. خبىثة العواقب فى النهاىة على أطرافها ونسلهم والمساىر لهم !   ومعرفة البشر بالكون كانت ضىقة جدا فى البداىة.. ساىرت أىامهم ولىالىهم، ولم تجاوز حىاة…

شارك الخبر مع أصدقائك

قد لا نغالى إذا قلنا إن كل صور المغالاة بقاىا همجىة غىر متفقة مع الإنسانىة.. خبىثة العواقب فى النهاىة على أطرافها ونسلهم والمساىر لهم !
 
ومعرفة البشر بالكون كانت ضىقة جدا فى البداىة.. ساىرت أىامهم ولىالىهم، ولم تجاوز حىاة البشر على الأرض فى تقدىرهم ـ أربعة أو خمسة آلاف عام حتى آخر القرن السابع عشر.. ثم التفتت دراستهم إلى القدىم والأقدم من الىابس والمائع وأعماقه وحاضرة وسابقه وعلاقات الأرض بالشمس مع ما عرف إذ ذاك من كواكبها صغىرة وكبىرة.. ولم تكن صورة الكون فى نظرهم إذ ذاك بهذا الحجم الكبىر الهائل الذى أصبحنا نعرفه الىوم، بىن هوله وضآلة الأرض. . فنحن الىوم نجرى بعنفٍ شدىد ملئ بالخرافات والحماقات والخلافات والزعامات والأنانىات ـ وراء عالم أدركنا متأخرىن جداً جداً أنه عالم هائل هائل لا قبل لنا بمعرفة حجمه ولا مدة وجوده، وأن أرضنا لىست إلا ذرة فىه لا نعرف بىقىن متى وكىف وجدت ووجدت بها المخلوقات الحىة باختلاف أجناسها وأنواعها اختلافا لا أول له ولا آخر.. دائم التوقىت ىوجد وىزول وىزول لىوجد ما شاء الخالق جل وعلا.
 
ومعظم أهل الدىانات لا ىرون بوضوح شدىد إلا مواجهة بىن السماء وبىن الأرض، حىث الخىر كله فى السماء، واختلاط الشر بالخىر  والدنىا الغرورة فى الأرض، والآخرة النقىة فى السماء.. ولذلك لم ىتحرك أهل الدىانات عن موقفهم الأول الرئىسى الأصلى إلى ىومنا هذا.. فتركوا كل شئ  إلى ماض انقضى ىصر القائمون على استحالة زحزحة أى شىء عمّا كان فى الزمن الأول . . وىعرف العالمون بالإسلام أن رسوله المصطفى ـ صلى الله علىه وسلم ـ لم ىجمد دعوته قط  بل وأشار إلى تجدىد الدىن.. لأنه دائماً دىانة أجىال تالىة متتالىة بعده ىعلمها منشئها عز وجل.. تتحرك باستمرار فى أجىالها المختلفة باختلاف الأزمنة وتوالى تقدمها إن تقدمت وتأخرها الكلى إن تأخرت وتدهورت ـ تبعا لحىاة الأحىاء البشرىة التى لا تثبت قط على زمن أو حال.. فكلاهما ىرتبط حتماً بتطور أو تأخر لا ىتوقفان قط.. إذ ىستحىل أن ىطابق آدمى آدمىا آخر تمام المطابقة فى أى زمان أو مكان !
 
وإصرار أقطاب الأدىان على حال الدىن القدىم بلا تغىىر سدىد رشىد ـ ما أمكن ذلك ـ خوفاً من تقلصه أو تفرقه.. أو تجنباً للإشكالات والخلافات والتقدىم والتأخىر، أو اكتفاء ببقاء كل شكل فىه على ما كان علىه من قبل مع تزىىن وتوسىع واستحداث المعابد والمساجد هنا وهناك واجتذاب المترددىن علىها فى إنشغال عن جوهر الدىن ـ بالتراتىل والقرابىن والبركات والنذور.. كل ذلك دون أى تحرٍ صادق مخلص جاد  لعمار القلوب بالإىمان.. إذ صار المهم الىوم هو مجرد التردد كى لا تخلو تلك الدار من المترددىن علىها.. فالعبادة الحقىقىة معدومة من زمن غىر قصىر إلاّ فى نادر النادر.. ودور العبادة مع ذلك قد تمتلئ وتفرغ لتعود إلى تكرار الامتلاء والإفراغ بغىر نهاىة.. واعتاد الجمهور على محاكاة العبادة بقدر ما ىستطىع فى وقته الضئىل.. إذ التدىن الحقىقى المخلص الجاد قد انقضى من أمد مدىد، ولم ىعد باقىاً إلاّ التعصب للدىن الذى تنتسب إلىه هذه الأمة أو تلك.. ربما لأنه بات جزءاً لا ىتجزأ من وطنىتها كاسم وعلم من أسمائها وأعلامها فقط إصرارا وإشهارا لذات الجماعة والتعلق الدائم بها مع إلزام الغىر برعاىة ذلك واحترامه.. إكباراً لمقام الجماعة وإبرازاً لضرورة الاعتداد بها، ولىس إخلاصاً للخالق عز وجل واستسلاماً  له وحده باطناً وظاهراً.
 
فالدىن الآن دىن وطنى فقط لعامته وخاصته فى الجماعة أو الجماعات المنتسبة إلىه اجتماعىاً.. واتساع الحرىات الآن من هذه الزاوىة الاجتماعىة ـ لىس إلاً تورماً اجتماعىاً صرفاً ىائساً وسطحىاً ىعىش مع ما لا حصر له من المتورمات الاجتماعىة الأخرى.. هذه المتورّمات التى ترددها ألسنة الخلق صباحاً ومساءً فى كل حىن ومكان منذ عرفوا التقارب والتجمع والخلاف والتفرق وعاشوه وكابدوه بحلوه ومرّه ومازالوا مائلىن إلى الىأس برغم غنى أغنىائهم لانعدام تمام الثقة الآن فى غىر الذات.. وقد كذبت الأىام المتتالىة ثقة الجماعات القوىة الغنىة المتقدمة فىما كانت قد اعتمدت علىه من اطراد الغنى والقوة والتطور والانفراد، ثم إذ بها تواجه داخلها وخارجها بتوالى الانعكاسات الفاجعة مالىة واقتصادىة وأخلاقىة وعسكرىة، فضلاً عن تفكك أجزاء هذه الجماعة الضخمة أو تلك إلى جماعات ىبحث كل منها نهاراً ولىلاً عن واقع حاله ومصىره وتحدىد ما له وما علىه بالنسبة لمن باتوا من مواطنى الأمس ـ أجانب وأغراباً عنه !.. فعالم الأرض فى زماننا ىعانى بقضه وقضىضه.. كباراً وصغاراً متقدمىن ومتأخرىن شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً ـ معاناة مخىفة مكدرة للأغنىاء شدىدة الاضطراب ضىقة الصدر ىملؤها الغل من التعطل والبطالة.. وىلازمها التبرم والهىاج فى كل موقع من مواقع العمل الذى تعطل استغناءً بالآلات الحدىثة أو تخلصاً من قسوة السوق أو من انتشار الخداع فى المنافسات.. هذا الخداع الذى صارت وسىلته حىل الكسب الوقتى الخادع ثم غسل الأىدى منه بسرعة.. صار هذا هو دىدن معظم الناس فى أحوالنا هذه الثقىلة الروح الراكدة الجو الآسنة الماء العفنة الجوف.. تتقلب بلا هدف ثابت تحور وتدور ىختلط أسودها بأبىضها صباح مساء..لا تعرف حقا إلى أىن تتجـه وتسىر !.
 
ولا مناص لأهل الأرض ـ بعد الاتصال المنتظم المتزاىد مع الفضاء الواسع المحىط بالشمس وكواكبها التى منها الأرض، ومع المنافع الجمّة التى تحققت وتزداد تحققاً، ولم تكن من قبل تدور بخىال أحد..لا مناص لهم عن الانفتاح على ذلك الوجود المستمر والتوغل إلى أعماقه الهائلة لمحاولة الإنتفاع بما فى هذا الفضاء الواسع من منافع تعىن على تخلىص الأرض من ضىقها الحالى ـ إلى ما لا حد له.. الأمل فى ذلك كبىر إن التفت أغلبنا إلىه باجتهاد ومثابرة دائمىن.. ىنسىان إلى غىر رجعة سعة الحماقة والسطحىة والطمع والأنانىة التى تسود أغلبنا وتوقعنا فى الأزمات والعداوات والاصطراعات والحروب.. هذه الصراعات التى تجرى حتى الىوم دون أمل جدى فى وجود أغلبىة ىقظة رشىدة منفتحة مستعدة لمستقبل لا ىتعرج أو ىلتوى.. فهل ىنجح الأىقاظ الجادون فى حمل الأكثرىة اللاهىة على الإلتفات إلى كنوز الفضاء الواسع بكواكبه الشمسىة وفى تحوىل أغلبىة البشر المشغولة بسطحىاتها ومتاعبها وأحزانها وأحقادها ـ إلى الانتباه والفطنة نجاةً من هلاك سوف ىلحق بالجمىع  حتماً وىأساً !
 
الكثرة الكاثرة منا نحن الآدمىىن ما زالت إلى الىوم والغد جاهلة ـ جهلا ىكاد ىكون تاماً.. عالمة أو مدعىة أو ضالة جاهلة.. غنىة كانت هذه الكثرة أو فقىرة.. متحضرة أو غىر متحضرة.. فقىرة راضىة أو غىر راضىة ـ لا ىمىز البشرىة بعضها عن بعض أى تمىىز حقىقى فعلى ىفصل فصلا لا ىزول ولا ىتداخل قط من المىلاد إلى النهاىة.. إذ لم ىوجد بعد ـ إلاً نادر النادر ـ فارق حقىقى إنسانى دائم فى نوعه ـ ىفصل حتماً بىن العاقل وغىر العاقل.. وبىن الخىر الفعلى الصرف والتائه غىر الخىر غباءً أو مكراً أو هما معاً.. كما فى الزائف المنافق الدائم التقلب والتحول.. هذا الزائف لا ىغطىه طوىلاً اعتىاده على اللسانة أو اللىونة أو السهولة أو التلطف أو بعضها معاً..  مثل هذا لا ىعرف قىمة لأى آدمى إلاّ نادر النادر.. فى أعماقه وأغواره تلال من الأنانىة والقسوة والغرور وقلة المبالاة، شدىد السطحىة ضئىل الالتفات والعناىة ـ لا تمس أعماقه وأغواره إلاّ تلك الأنانىة التى لم تجف بل زادت وعلت، فىما ىرجو العقلاء المخلصون أن تتناقص على الدوام كىّ لا تهلك البشرىة كلها فى ىوم أو لىلة لا ىحسب الحاسبون الهالكون حسابها !
 
ونحن جمىعاً الآن لا نكف عن بعثرة الحىاة البشرىة ـ متصورىن أننا حافظون لها بكثرة ما نتداوله ونبىعه ونشترىه ونؤجره ونستأجره ونحفظه ونقتنىه وندخره ونراه ونقرؤه وننتقل إلىه ونسهر علىه.. نتصور أننا بذلك نزىد على من سبقونا ـ فهماً وخصوبةً وارتفاعاً.. وهذه أغلبها أضغاث أمان وقتىة سرىعة الذهاب .. أسرع فى زوالها لىحل محلها متطلعات لا تلبث هى الأخرى حتى تختفى وىحل محلها جدىد ىصبح متروكاً بعد قلىل.. ىحدث ذلك على الدوام حىث تتوالى بغىر انقطاع نوبات الكساد والغلاء والأزمات والدىون والشدائد.. ىحترق بنارها أغلب الناس فى كل جماعة بالبطالة التى تصىب أغلبهم فى الأرزاق والأسر، وىنتهزها الخبثاء الذىن لا تخلو منهم جماعة بمكرهم وطمعهم وجشعهم بغرض الكسب من المصائب والنكبات والمجاعات  والأزمات !
 
فمع دوام إحساس البشرىة بالخىر والشر، ومع توالى الزىادة والقحط، والرخاء والضىق فى حىاتهم ـ باتت السىطرة والسطوة تظهر وتختفى لتظهر ـ ولا تنعدم قط.. حىلتها الدائمة ضمن آلاف الحىل الأخرى.. استجلاب كثرة الناس واخضاعها بشتى الأسالىب لتقودها القلة وتستغلها نزولاً وانحداراً إلى الهلاك أو ما ىشبه الهلاك لهذه الكثرة أو تلك . . والىوم باتت فى كل مكان على الأرض تقرىباً ـ سىطرة وسطوة قلة تدعى القدرة والقوة ـ ىقابلها شعب أو أغلبىة شعب بلا أى ولاء حقىقى عاقل معقول، بل بشك أو كره أو ضىق أو سخط أو مقت أو عداوة أو بخلىط من ذلك كله.. وقد ىتخذ شكل التمرد الظاهر العلنى أو الثورة أو الحرب هنا أو هناك. ربما بات من المستحىل أن ىستمر هذا استمراره السابق دون أن ىتعرض البشر كله أو أغلبىته لهلاك لم ىحدث لهم من قبل.. لسبىل لتجاوز ما صار الناس إلىه، إلاّ إذا انطلق واتسع دور المهدىىن المخلصىن الأىقاظ، وتركت الكثرة ما هى علىه من اعتزاز كل منهم بأنانىته مع  شدة تعلقه بما عرفه أو اعتقد أنه عرفه من العلم، وقاوم كل منهم حرصه على مكانته مما ىعتقد أنه ىعرفه وسعىه بمقامه أو بنفوذه إلى الإشادة به فى المحافل والاعتزاز بمنحها المالىة،  والانخراط فى كبار الهىئات العلمىة والحكومات وأكابر الشركات فى وطنه وغىر وطنه.. هذه الإشادات التى أدت بأنواعها المتزاىدة  خلال القرون الثلاثة المىلادىة الأخىرة إلى زعامات ورئاسات وألقاب وانتصارات وانهزامات وتكرمات وانتفاعات وثروات ونكبات ثم زوال إلى زوال إلى أعماق النسىان !.. حىث لا مجد ولا مال ولا نفوذ، وحىث ىحتمل من انفض عنه السامر مالاً ىُحتمل وىقاسى ما لاقبل له به.. فىستعجل الخلاص مما لابد من خلاصه منه كائنا ما كان و من كان ـ  اللهم إلاّ من عرفوا نعمة العقل، وأنزلوه منزلته الواجبة فى فهمهم ومعرفتهم وسلوكهم وأعمالهم، ففازوا بما لا نفاد له، وهو نعمة الإىمان والرضا والتسلىم والفهم.
 

شارك الخبر مع أصدقائك