رجائى عطية

نظرية الشعر عند العقاد (5)

شارك الخبر مع أصدقائك

فهل يسع الشيطان الذى ترجم له العقاد ــ فيما يستطرد الدكتور زكى نجيب محمود ــ إلاَّ أن يسخر من نفسه عندئذ ومن رسالته التى جاء من أجلها ؟ أمن أجل هؤلاء قد استُذلت كبرياؤه وهبط من سمائه ؟ لقد كان وسع خالق الحيوان أن يفعل بالإنسان ما فعله بالحيوان من غواية وضلال، فيستغنى عن الشيطان وعن رسالته ، إلاَّ إنها لحياةٌ مهدرة.. عبثًا تلك الحياة التى خُلقت لتُضِل سواها من الإنس أو من الجن، لأن هؤلاء وأولئك عبث فى عبث، وإذن فلا عليه، إن خَطْبه على كل حال هين يسير ، فليذهب الآن إلى بلاد الحضارة لعله واجد فيها ما يغنيه ، واختار أرضًا حول بحر الروم أو بحر العجم ، وها هنا رمى الشيطان أول فخ فأصاب، ووقع الجميع فى الفخ، وما فخه هذا إلاَّ أن يوهمهم بشىء من صنعه، يطلق عليه اسم «الحق» وقذف به فيهم وأوى إلى الراحة، فما حاجته الآن إلى سعى ونشاط ؟ إن هذا «الحق» الخلاب سيكفيه مؤونة التضليل الذى جاء من أجله ، وصدقت فراسته: فمن أجل «الحق» الموهوم دبت الخصومة بين الأصدقاء ، وبات «الحق» سلاحًا لكل من أراد سلاحًا ، أيريد الخبيث أن يستر خبثه عن الناس ؟ إذن فليسمِّ خبثه هذا «حقًا»، أيريد الضعيف أن يلتمس المعاذير لضعفه ؟ إذن فليقل إنه ابتغاء وجه «الحق» قد زهد فى الكفاح ، أيريد المعتدى أن يسوغ اعتداءه حتى ينزل سيفه على رقاب الناس بردًا وسلامًا ؟ إذن فمن أجل «الحق» سُلَّ السيف ، نعم إنه هو هذا «الحق» الذى جهل حقيقته الجاهلون وراحوا ينشدونه فضلوا، وهو نفسه «الحق» الذى ابتغاه الحكماء فلما استعصى على علمهم حسبوه سرًّا لا يبلغه البشر ، أعجبه من فخ شيطانى فظيع ! فهذا عبد مستذل، يقال له إن إذلاله هو «حق» عليه لسيده، وهذا سيد مفترٍ طاغية يدعى أن قوته هذه مستمدة كلها من «الحق» الذى يؤيده ، فإذا أزلت عن عينيك الغشاوة، فماذا تراك واجدًا فى حياة الناس مما يسمونه «حقًا» ؟

هو آخر الأمر طعام يلهث فى سبيله البطن الجائع، ومأوى يأوى إليه الضال من خوف، وذَهّبٌ يخطف الأنظار ببريقه ، فلو شبع الجائع وأمِنَ الخائف ومات صاحب الذهب، لاختفى من الوجود شىء يسمونه «الحق» وما هو إلاَّ تزويقًا لم يكْفِه أن يبرر الرذيلة، بل جاوز ذلك إلى جعل الرذيلة بشتى صنوفها فروضًا واجبة الأداء.

فحقَّ للشيطان إذن وقد نَصَبَ هذا الشرك أن ينام ملء جفنيه، وقد كان يستطيع أن ينعم براحة البال إلى أبد الآبدين لو أراد ، لكن هيهات لمن كان الشر لحمته وسداه أن يعرف للطمأنينة معنى، وشاء له حظه الأنكد أن يفتح عينيه بعد غمض، فإذا البذرة التى كان قد بذرها فى الناس لتفعل فعلها و أسماه لهم «بالحق» قد أينعت وازدهرت، حتى لأوشك من فرحته أن يشكر الله على نعماه، لولا أن الشكر ليس من طبيعة الشياطين، فأمسك ! وطفق يزرع نباتًا للشر بعد نبات، كلما زرع نباتًا هنا أو نباتًا هناك، هاله أن يجيئه الحصاد موفورًا غزيرًا، وهكذا توالت الأجيال حتى استقرت دولته واستتب له السلطان.

ولكن هل يدوم سلطان حتى لشيطان ؟ ما هكذا تجرى سنَّةُ القدر، فللشياطين كما للأناسىّ جوانب الضعف ، فمن أمثلة الضعف التى مُنى بها شيطاننا هذا أن أخذت نفسه تميل إلى الهوى العذرىّ ، فلما أن بلغ من الانحلال حدًا يؤرق جنبيه، أخذته الأنفة مرة أخرى من أن تكون هذه هى رسالته: فما جدوى أن يضلل الفجّار وقد رأى بعينيه ألا فرق ـ فى الصميم ـ بين فاجر وعفيف ؟ ألا إن حياة الإنس والجن كلها هباء فى هباء ، ما جدوى أن يفسد أناسًا قد عدموا الرشد؟ وحتى إن توافر لهم رشدهم فما ذاك بشىء يحسدون عليه حتى يعمل على سلبهم إياه ، فكلهم ـ آخر الأمر ـ طالب قوت، وها هى ذى الأرض تنبت ما يكفى لملء بطون الناس أجمعين ـ سَفُلَ الناس أو علوا ـ وإذن فكلهم سواء، وقصارى الأمر فى هذا الورى راسب يطفو وطاف يرسب ، وهكذا كفر شيطاننا المسكين بالبشر، فالشر عقيم ليس بذى غناء، فجاء كفره هذا لونًا بديعًا من الكفر، إذ الكفر بالنعيم معروف ويستحق العقاب، وأما الكفر بالشر، أو الكفر بالكفر ذاته فأمر غير مألوف، وهو فى طبقات الشر أمعن، فالراشد والغاوى عندئذ سيان.. أليس عجيبًا ـ إذن ـ أن تفوت هذه اللفتة على الله، حتى ليعد كفر الشيطان بالشر بمثابة الندم، ويرفعه إلى الجنة بعد أن توعده ألا يكون من أصحابها ؟ لكن فضل الله عميم يؤتيه من يشاء بغير حساب !

نزل الشيطان من جنته منزلاً يرضى به الفن الجميل ، ومشى فاختار من مشيته هضبة عند مصب السلسبيل، فيها نخيل وثمر، وفيها براكين خبا ضرامها، وازَّينت زينة هى المثل الأعلى لكل فنان، فما فنون الأرض إلاَ محاكاة تبعد أو تقرب من هذه الصورة المثلى ، ولقد كملت الزينة بكل أسبابها: فولدان وحور يضفون عليها زهوًا، وأحواض عليها طير يغنى مسبحًا مبتهلاً للكريم الحليم الغفور، وزمر الأملاك تملأ رحابها ـ فهل يرضى الشيطان بنعمة الله هذه ؟ كلا، فذات يوم من شتاء، قبيل الصبح أو نحو الأصيل ـ لا بل إن جنان السماء لا تعرف الساعات والأيام والفصول، فهى رقعة بغير تاريخ ـ ركب الشيطان فوق السلسبيل مركبًا حوله جو من نغم، وقد انبعث من الزهر شذاه فعطّر كل شىء ، وكان على يمين الشيطان وعلى يساره أملاك تحرسه، ومُدّ له رواق الرضى، لو كان الرضى يعرف إليه سبيلاً ، وأخذ الأملاك يسبحون لله مالك الملك، وكلما ازدادوا تسبيحًا ازداد الشيطان انقباضًا ، فما إن لحظ الأملاك هذا العبوس على وجهه حتى رأوا عجبًا، لأن الجنة لا تعرف عبوسًا ، والتقت أعينهم فابتسموا كابتسام الطفل فى مهده ، ثم تمادى بهم الأمر على هذه الحال حتى سئموا هذه الجهامة التى لم يألفوها، وتمشت فيهم الثؤباء ( من التثاؤب )كأنما قد مالوا إلى نعاس.

فقال أدناهم إلى مجلس الشيطان مخاطبًا الشيطان: ما لمولاى ؟ أرى فى نفسه قبضة كالتى قيل إنها تصيب أهل الجحيم ؟ فتوقّد جبين الشيطان وصرخ فى السائل قائلاً: أى جحيم؟ مالك أنت ومثل هذا الحديث ؟ فطارت هذه الصرخة المدوية بألباب الأملاك ففروا كما يفر الجيش المنهزم، وفزعوا كما تفزع الطير وقد راعتها الديم ، ولم يكن فرارهم ولا فزعهم خوفًا من غضبة الشيطان فحسب، بل ما هو شر من ذلك، وهو أَن ساءهم ألا يُحسدوا على ما هم فيه من نعيم الفردوس ، فأنت إذا رأيْت سعيدًا من الناس أنه لا يستحق أن يحسد على ما هو فيه، فكأنما جعلته كمن لا يتمتع بشىء، وكأنك بهذا قد سلبته تلك السعادة التى أنكرتها عليه، وهكذا الأملاك: راعهم فى الخلد ألا يسعدوا بما يستحق أن يُحسدوا عليه من الشيطان، فمن ينكر عليك سعدك هو كمن يسلبك إياه ، وإذن فقد غضب الملائكة بعد أن كانوا لا يعلمون ما الغضب، وثاروا بعد أن لم تكن ثورة ، والحق إنهم مدينون للشيطان بما قد علمهم إياه من غضب وثورة ، ولكنهم لم يشكروا له هذا الفضل، وأرادوا الانتقام، والانتقام من الشيطان إنما يكون برجمه، رجمة بماذا ؟ بأجرام السماء ، فلو أنهم قد هموا بهذا الانتقام الرهيب لخَلَتْ السماء من أنجمها، لكن الله سَلَّم الكون من سوء العقبى.

ذلك أن الله لم يترك الأمر ليتراخى الليل إلى عقباه ، وأوحى من جنته بوحى يرى فى الأرجاء كأنه الصدى ، وهدأ الثائر، وسكن الغاضب، وقرَّ الأملاك فى مواقفهم:
فإذا الجنة أمن وسكون كسكون الليل فى ضوء القمر
خشعت حتى الشوادى فى الغصون وصَفَتْ حتى وريقات الشجر
ساعة ثمَّ انجلى موقفـها عن جلال الله فردًا فى عـــــلاه
غابت الأملاك لا تعرفـهـا وبدا الشيطان معروفًا تــــــراه
وبدا الشيطان معروفًا تـــــرى كبرياء الكفر فى وقفتـــــــــــه
عالى الجبهة يأبى القهقــــرى وتـؤجّ النـار مـن نظــــرتـه
وتنحَّى كل مشهود فما ثَم إلا الله والطاغى المريد
ويكاد الكون ما بينهما يغلب الشك عليه فيبيد
ساعة أخرى وقد حُمَّ القضاء وانقضى العفو وحق الغضبُ
ساعة للنحس حلت والبلاء ومتى حلت فأين المهربُ ؟
حاقت اللعنة ، حاقت كلها وقضاها المنعم المنتقم
وجناها ـ وهو لا يجهلها ـ ذلك الجانى الذى لا يندمُ

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »