رجائى عطية

نظرية الشعرعند العقاد (17)

شارك الخبر مع أصدقائك

يجوز لنا أن نتساند هنا إلى ما قررته موسوعة أعلام الأدب فى مصر، تعقيبًا على ما أوردته، من أنه من الغبن البيّن مقارنة هذه الصيحات الواضحة العميقة الأكثر تكاملاً التى أطلقها الأستاذ العقاد وزميلاه، بما سبقها فى تاريخ نقد الشعر العربى، سواء ما كتبه خليل مطران بصوت خافت وعلى استحياء، أو ما كتبه غيره من السوريين المتمصرين وغير المتمصرين.

ذلك أن كل الكتابات النقدية والشعر الجديد، سواء للمهجريين أو لمطران، لم يترك أثرًا ذا بال لدى جمهرة قراء الشعر، بل ولم يترك أثرًا ذا بال لدى الشعراء لا سيما الذين لم يكن لهم حظ من ثقافة أجنبية كمحمد عبد المطلب الذى ذكر الأستاذ العقاد فى كتابه «شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى» أنه عندما ظهر المذهب الحديث فى الشعر، حاول أن يفهمه ليرد عليه ويتحداه، إلاَّ أنه لم يفهم منه إلاَّ أنه مجرد وصف للمخترعات العصرية والآلات الحديثة، بأن يكون النظم مثلاً فى الطيارة بدل نظم الأقدمين فى الأفراس والنوق، وأنه تصادف أن حضر محفلاً ألقى فيه عبد المطلب قصيدته العلوية يعارض بها حافظًا إبراهيم فى قصيدته العمرية، فسأله عبد المطلب مازحًا عن رأيه فى القصيدة وموضوعها واستهلالها، قائلاً : ألسنا نعجبكم الآن يا أنصار المذهب الحديث؟!

وروى الأستاذ العقاد أنه أثنى له على موضوع القصيدة، وقال له إنه ميدان جديد يتسع للوصف والتحليل، ولكنك يا أستاذ مثلتَ « عليًّا » على طريقتك أنت ولم تمثله على طريقة المحدثين.

إلاَّ أن جواب الشيخ الشاعر دلَّ على أنه غير فاهم لاستدراك الأستاذ العقاد، ولا مستوعب لمعنى التجديد فى الشعر. فقد أجاب مندهشًا: «كيف ؟ وأين يذهب بك عن وصف الطيارة ؟».

فقد كان قد استهل القصيدة بأبيات بوصف طيارة لقى بها الإمام على على السحب لعلّه يرتقى إلى أوجه، ظانًّا أن وصف الطائرة بدل الجمال والأفراس هو معنى ومرام التجديد فى الشعر.

استشهدت الموسوعة بعبد المطلب كمثال على أن مفهوم الشعر الجديد لمطران وغيره لم يكن قد ترك أثرًا لدى الشعراء، وأن هذا المفهوم الجديد لم يذع ولم يشتد الاهتمام به إلاَّ نتيجة لكتاب « الديوان » وعنف اللهجة التى اختطها مع الوضوح المبين العميق والأكثر تكاملاً.

وقد قال الأستاذ كامل الشناوى، فيما تورد الموسوعة: «كنا شباب ذلك الجيل نحب العقاد السياسى ونفهمه، ونحب العقاد الأديب ولا نفهمه. فقد كان مذهبه السياسى شعبيًّا يعبر عن المشاعر العامة، وكان مذهبه الأدبى فى قمة الارستقراطية الذهنية… كان يضع مفاهيم جديدة للشعر وفنون الكتابة وكان هذا أمرًا يصعب فهمه علينا.. كنا نسأل فى همس : « من هو العقاد حتى يهاجم شوقى والمنفلوطى؟»… ولم نكن نعرف ما عرفناه بعد ذلك وهو أن العقاد صاحب مدرسة فى أدبنا الحديث، وأن هذه المدرسة نادت بوحدة القصيدة… الخ». وقد ردد الأستاذ كامل الشناوى ذلك فى مقال نشره بعنوان «العقاد حين عرفته»، منشور فى مجموعة : «العقاد دراسة وتحية» التى قام على جمعها لكبار الكتاب والشعراء الأستاذ محمد خليفة النونسى، وهى مجموعة تلقى أضواءً على جوانب متعددة للأستاذ العقاد، بأقلام باقة من محبيه من كبار الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء، ونشرت بمناسبة بلوغ الأستاذ العقاد سن السبعين عام 1959.

وتضيف الموسوعة الضافية، أن قصة عبد المطلب مع العقاد حول القصيدة العلوية ذائعة معروفة. وهى وأمثالها تضع إصبعنا على نقطة أخرى فى غاية الأهمية، إذ هى تقدم لنا دليلاً حيًّا على أن الشعراء بدءوا بعد صدور «الديوان» يتحولون عن كتابة الشعر بالأسلوب المألوف لهم إلى الأسلوب الذى يدعو إليه العقاد ؛ وإذا كان عبد المطلب مثلا قد أخطأ فى فهم ما قصد إليه العقاد، فإن شاعرًا آخر يحدثنا بما يفيد أنه لم يخطئ.. إذ يذكر هذا الشاعر، وهو الأستاذ طاهر الجبلاوى، أنه نشر ديوانه الأول فى سنة 1920، وعرضه على شوقى وحافظ ومطران فقرظوه. لكنه حين وقف على مذهب العقاد « بدأ ينظم شعره الجديد، بعد تحرره من قيود التقليد للأقدمين»، ثم عاد من بلده فى عام 1925 ومعه ديوانه الثانى الذى قرظه العقاد بأبيات نشرت مع الديوان.

مثل هذه المواقف يحدد لنا حقيقة الدور الذى لعبه العقاد. وهو يشبه من هذه الزاوية، الدور الذى لعبه البارودى فى أخريات القرن قبل الماضى، حين حول الكتابة الشعرية من أسلوب إلى أسلوب، من أسلوب مريض ركيك إلى أسلوب سليم مشرق، قدر له أن يسود إلى أن جاءت ثورة العقاد فى «الديوان» وموالاته الكتابة بالشرح والتفصيل والتوضيح حتى تحولت كتابة الشعر مرة أخرى من أسلوب إلى أسلوب.

وهذا فى الواقع، فيما تؤكد موسوعة أعلام الأدب المعاصر فى مصر، هو الإنجاز الكبير الذى حققه الأستاذ العقاد ورفيقاه، على تفاوت كبير فى نصيب كل منهم فى ضوء ما تقدم، وخلاصته أن العقاد كان صاحب النصيب الأوفر فى جماعة الديوان.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »