رجائى عطية

نظرية الشعرعند العقاد (11)

شارك الخبر مع أصدقائك

فلسفة العقاد من شعره

  • 4 –
    وهكذا جمع العقاد فيما يقول الدكتور زكى نجيب محمود بين الحرية فى تلقائيتها والعقل فى انضباطه، جمع بينهما فى كل كائن حى، وفى كل آية فنيه، على اختلاف الدرجات فى الكائنات الحية وفى آيات الكمال.

كلما ارتفع الكائن الحى وارتفعت آية الفن عنده فى الكمال والإبداع، ازدادت القوانين التى تضبط عمله، وطلاقة الحرية التى تسير به نحو هدفه.
هذا النسق يبدو فى تآلف الكون، وفى أفراد الناس والحيوان، وفى مفردات النبات، مثلما يبدو فى قصائد الشعر، وفى لوحات التصوير والرسم والنحت.
الكائن الفريد الذى لا تكرار له بين سائر الكائنات، هو المطبوع بطابع الحياة المبدعة الخلاقة، وإلاَّ فهو نسخة مقلدة بالمحاكاة.
ذلك أن التفرد بالخصائص الفذة الفريدة، هو من أميز ما يميز الحياة والفن معًا.

يقول الأستاذ العقاد وهو يخاطب من ينشد الخلود لمجرد البقاء الدائم، بغض النظر عن فردية كيانه إبان الحياة:

تود الخلود ولا تحذر
أأنت المخير أم تجبر
تحب البقاء ولكن ما
تحب هو الموت أو أكبر
إذا الليل أدركه والضحى
تساوى المحجب والمسفر
وإن صوحت روضة أو زكت
فقد أشبه المجدب المثمر
كذلك مات ويدعونه
فى الخلد من حيث لم يبصروا

على أن ذوات الأفراد عند الأستاذ العقاد لا تتساوى منزلة أو رتبة، لأنها تتفاوت فى فرديتها بمقدار ما احتوت عليه من أصالة.
وأدنى آحاد الأفراد عنده هم من يتبعون ويقلدون ويحاكون.

وفى الوسط بين الأعلى والأدنى، تجىء منزلة الشاعر أو منزلة الفنان أو منزلة الملهمين بصفة عامة.
الأعلى هو الرحمن عز وجل.

والشاعر أو الفنان يستلهم الأعلى ليلهم الأدنى.
الشعر مقتبس من نفس الرحمن، ليعود الشاعر فينتقل بدوره القبس إلى سائر الناس.
يقول الأستاذ العقاد فى الشعر والشاعر، من قصيدة طويلة:
والشعر من نفس الرحمن مقتبس والشاعر الفذ بين الناس، رحمن

  • 5 –
    وهنا يقف الدكتور زكى نجيب محمود مع الأستاذ العقاد عند الأبيات التى يصف بها مهمة الشعر والشاعر فى قصيدته الطويلة المنشورة بعنوان « الحب الأول » فى الجزء الأول من ديوانه، لأنه يراها تلقى ضوءًا على نظرته الفلسفية التى هو بصدد تحليلها وعرضها. فيقول:

«فالصورة كما يتصورها العقاد هى وحدة تضم الكائنات جميعًا فى نسق واحد، لا لتغرق الأفراد الآحاد فى طوفانها، بل لتبقى على ذواتهم المستقلة مع قيام صلات بينها كما تقوم الصلات بين أفراد المجتمع الواحد، ولكن من ذا يتاح له أن يرى هذه الوشائج الحميمة بين الأشياء ؟ إنه الشاعر، موحى إليه من خالقه، ليعود بدوره فيوحى بالحقيقة نفسها إلى كل ذى أذن تسمع، والصلة الرابطة بين الأعلى والأوسط والأدنى هى صلة الحياة، كأنما هى صلة الرحم التى تجمع الكل فى أسرة واحدة، فالشاعر :

يجنى المودة مما لا حياة له
إذا جفاه من الأحياء خوان
ويحسب النجم ألحاظًا تساهره
والودق يبكيه دمع منه هتان
إذا تجهم وجه الناس ضاحكه
ثغر الورود ومال السرو والبان
أو مل هاتفه الأصوات أسمعه ـ للريح والغاب أبواق وعيدان
تفضى له ألسن الدنيا بما علمت
كأنما هو فى الدنيا سليمان
والشعر ألسنة تفضى الحياة بها
إلى الحياة بما يطويه كتمان
لولا القريض لكانت وهى فاتنة
خرساء ليس لها بالقول تبيان
ما دام فى الكون ركن فى الحياة يرى
ففى صحائفه للشعر ديوان

ويزيد الدكتور زكى نجيب محمود موقف الأستاذ العقاد إيضاحًا، بإيراد أن وقفات الفلاسفة من الوجود صنفان : وقفة يرى بها صاحبها الوجود وكأنه روح تفرعت عنها مادة تجسدت فيما نراه من كائنات، ووقفة يرى بها صاحبها الوجود وكأنه مادة تفرعت عنها روح تتمثل فى الموجودات الغير مادية.

ويرى أن الأستاذ العقاد ينتمى إلى الصنف الأول، ولكن هذا الصنف الأول يتشعب فروعًا مختلفة باختلاف الصفة الجوهرية التى توصف بها الروح : أهى فى جوهرها عقل ؛ أم هى إرادة ؟ أم هى شعور ووجدان ؟ والعقاد كما يبدو له من تتبع شعره مؤمن بأن الأصل الروحانى الأول، قوامه وجدان وعاطفة، لأن جوهره الحب، ومن الحب تنشأ الحياة، وإن هذه الحياة لتظل فى كائناتها الأحياء برغم جمالها كالخرساء التى لا تنطق لتفصح عن سرها، حتى يتاح لها الشاعر الذى يحسها عميقة غزيرة فى نفسه:

الحب والشعر دينى والحياة معًا
دين لعمرك لا تنفيه أديان
هى الحياة جنين الحب من قدم
لولا التجاذب ما ضمتك أكوان

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »