نسبية القرب والبعد من الآدمي‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

القرب والبعد كلاهما نسبي يختلف من ظرف إلي آخر، ومن نظرة إلي أخري.. فما يعد قريبا في حال أو حين أو ظرف ما، قد يعتبر بعيدا في حين أو ظرف حال آخر.. والعكس. ولكن القرب والبعد اللذين أعنيهما بالنسبة للآدمي، هما القرب أو البعد المادي بالمقياس الحسي ـ ولا مجال للقرب أو البعد إلي الآدمي إلاَّ بالنسبة للحي، لأن القرب والبعد وصف لعلاقة شخصية ما بين آدمي حي وبين ما يوصف بأنه قريب منه أو بعيد عنه.. فالقريب إلي الآدمي الحي هو القريب منه حسيا.. مكانا أو زمانا، وكذلك البعيد عنه.. أما من فارق الحياة، أو ما انصرم من حوادث الماضي، أو متوقعات المستقبل، فإن القرب أو البعد لا ينسب إلي أي منهما إلا علي سبيل المجاز.. فصفحة حياة الآدمي تنطوي برحيله عن الدنيا، وما حدث وانصرم في الماضي لم يكن محل مشاهدة عينية من الحاضر، أما المستقبل فمن المحال أن يكون محلا لمشاهدة يعاينها أحد قبل حدوثها.. لذلك فإن القرب أو البعد بالنسبة لمن فارق الحياة، أو انصرم من الحوادث، او متوقعات وحوادث المستقبل، لا يكون إلاَّ إضافة مجازية لمعني القرب أو البعد.. تستعمل بإطراد في التعبير عن الآراء والأفكار والتصورات والنظريات والعلوم والآداب والفنون.. سندها النظر والتأمل والمقارنة من وعي عقل وإرادة وميول وذاكرة ومخيلة ولغة لمفكر أو كاتب معين أو عالم أو أديب أو فنان معين. وقد ساعدت تلك الإضافة المجازية علي الاتساع الهائل المشاهد الآن في تصورات الإنسان ومعارفه ومعلوماته ولغاته وإمكاناته المادية والمعنوية. كما ساعدت علي الاتساع الهائل المشاهد الآن في مصدقاته وخيالاته وأوهامه وأحلامه ومجازفاته وشطحاته، وساعدته في الوقت نفسه ـ علي انصرافه الهائل عن الالتفات لداخله وخطاب أعماقه وروحه، ودفعته إلي الإنكباب شبه الكامل علي خارجه كما يتوهمه.. وذلك بقدر ما يسمح له به خضم البحر الذي يغرقه بالدعوات والادعاءات والحملات والخصومات والانقسامات وتبادل الحمد والذم والتصويب والتخطئة والإنكار والثقة والاسترابة.. بحيث يمكن أن نزعم أن الإيمان الفردي الحديث قد صار أكثر احتفالاً وامتلاءً بالأوهام واعتماداً علي الاحتمالات وتعليقا لمصائره علي من لا يعرف ولا يدري، وعلي من لا قبل له بمراقبته ووقفه فضلا عن ردعه، وصار الآدمي أكثر تعرضا لمفاجآت شاملة جارفة ـ بالقياس لمن سبقه إلي الدنيا من الآدميين علي قلة ما كان لديهم من المعارف والإمكانات الفردية والجماعية!

 
وما يجري داخلنا علي قربه الشديد منّا مكاناً وزماناً ـ ليس واضحاً لوعينا، ولا هو موضوع مباشر لإدراكنا.. ذلك لأنه بطبيعته غير مزود بصور ذهنية مصدرها حواسنا العاملة مع المحيط الخارجي.. وما نشعر به داخلنا غير الانفعالات والعواطف مما نسميه الآلام والاضطرابات وأنواع العجز، أو ما نسميه بالعافية والراحة والاتزان.. هذا كله لا يفارقه الغموض قط، ويصعب علينا تذكره إذا فارقناه. وقرب الجنين مثلا في بطن حاملته تحس به الأم الحامل إحساسا قويا خاصا بها، لكنها لا تستطيع أن تصفه، ولا يشاركها فيه أحد. لأن أحداثه وتطوراته لا تمر علي ذاكرتها الواعية قط بعد انتهاء حملها أو قبله إلاّ بقدر ما تمر عليها هي طواريء الألم وإطراد العافية.. وفي الأحلام: قد تترجم المخيلة خلال نوم الوعي بعض ما يجري داخلنا من ذلك إلي صور قريبة غير معقولة أو مفهومة.. مدفوعة بضغط إحساسنا هذا الغامض الذي أشرنا إليه .

 
وكما يكتنف الغموض إحساسنا هذا بما يجري داخلنا وألصق شيء بنا وأقرب شيء إلينا، فإن الخفاء التام بالنسبة لنا يبتلع كل ما يجاوز وعي حواسنا وحساباتنا.. أي معظم ما علي الأرض أو في باطنها، وكذا مطويات ماضيها واحتمالات مستقبلها، وكل ما في الكون الأعظم الذي لا تعدو الأرض أن تكون مجرد ذرة فيه أو أصغر من الذرة.

 
إننا نحتاج إلي المعرفة في كل عصر لنتخلص فيها وبها من الحيرة والقلق والشك.. وإذا تصاعدت هذه الحيرة أو القلق والشك ـ صار الاستمرار في حياة الآدميين أو توالدهم صعبا، واحتاجوا من ثم إلي المعرفة ليطمئنوا بها ويهدأوا وينصرفوا بهمة لاستعمال وممارسة حياتهم وتنميتها خلال الزمن المتاح لهم ما بقوا علي هذه الأرض. وهذه المعرفة التي نحصلها أو نسلم بها ـ قد تعوزها الصحة أو الدقة، ولكن يشترط فيها أن تحقق لدينا جانباً من الإطمئنان لها.. أي لتشجيعنا وتدفقنا في الحياة بهمّة وعزم، ولأن نرتقي ونرقيها بإخلاص ما استطعنا.

 
وما نحتاج إليه من المعرفة يختلف بالضرورة نوعا وقدرا باختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف.. لأن المعرفة لا تُطْلَب لذاتها، وإنما لخدمة الآدميين الذين يتداولونها وتتفق مع أحوالهم وعصرهم وتنمي وتزيد قدراتهم علي التعامل مع ما يصادفهم ويعرض لهم في زمنهم.. فالمعرفة المقبولة في عصر أو في حالة لدي سواد الناس، قد تصبح غير مقبولة لأناس آخرين أو في عصر آخر أو في ظروف أخري.. لأن أحوال الناس بعامة تتغير وتتطور من عصر لعصر، مع سير الحياة الذي لا يتوقف، والمعرفة التي لم تعد مقنعة لسواد الناس تفقد قيمتها عندهم وينفضون يدهم منها، ولا يعود لوجودها بينهم قوة وقيمة.. ومع ذلك فمثل هذه المعرفة تزيد ـ مع ما يعترضهم ويصادفهم ـ في تفاقم الحيرة والقلق لديهم، وتفتح الطريق لانتشار التشيع والخلاف والفرقة، واعتياد ذلك والارتزاق منه واحترافه، وتدفع إلي صرف الجهود والأفراد والأموال في الصراعات والفتن التي لا تبالي بهلاك الأنفس أو تعطيل المرافق أو خراب العمار في سبيل الثأر من فريق أو القضاء علي فئة أو إذلال طائفة أو كسر شوكة أخري. إذ في الفتن تنقلب الرؤي والمعايير والموازين، ويصير القريب جداً بعيداً جداً، والخيال المحال ممكناً، والممكن المألوف محال المحال، وتنبهم الرؤية ويحل العماء الضرير.. ويهون الموت لكثرة وقوعه بلا داعٍ، ويفقد مع كثرته وتفاهة أسبابه ـ يفقد وقاره ووقعه أو إيقاعه، كما تتدلّي وتتدنّي قيمة الحياة إلي الحضيض، ويرخص الأحياء حتي لا يساوون شيئا في عين المهاجم أو المنتقم أو مطلق المدفع أو ملقي القنبلة أو مدبر الانفجار. لا يرتفع إلا صراخ الألم أو الضياع وصياح المسلحين وصخب زعمائهم وسخطهم واتهاماتهم لخصومهم وتعصبهم وعبارات هذا التعصب المريض الذي لا يكاد يهدأ!!!

 
ولو تأملنا للاحظنا أن قرب الآدمي من سواه لا ينطوي فقط علي محض الاقتراب من شخص أو شيء مادي أو إمكان الوصول إليه، وإنما ينطوي أيضا علي مضمون عاطفي هام جدا في حياة البشر.. هذا المضمون هو تقرير وإقرار صلة محبة وود من جانب الآدمي لغيره أو من جانب الغير إليه، أو إيجاد أو إنشاء صلة تبعية يصحبها ولاء من جانبه للغير أو من جانب الغير إليه. وهذه وتلك أساسها اعتقاد واعتياد وسلوك، وثباتهاعلي ذلك مع متانة الاعتقاد وإطراد السلوك وبقاء الاعتياد. وقد يتزعزع الثبات كما قد يتغير السلوك والاعتياد تبعاً لتغير الأحوال داخلنا وخارجنا..وهذا في طبعنا أو ناموسنا لا مفر منه، قد نوفق إلي تلطيفه فقط، ولكن يستحيل علينا إيقافه كلية مهما تكلفنا وتعمدنا وبذلنا من الإرادة والتصميم والصبر والمثابرة!

 
علي أن البعد ليس بالضبط عكس القرب.. لأن عواطفنا الطبيعية لا تنشغل ودًّا ونقصاً وأملاً وخوفا بالبعيد النائي مكاناً أو زماناً. فهذا البعيد يكاد يرادف في نظرنا المعدوم أو غير الموجود، ولا بد من قدر من الاقتراب لكي تتحرك عواطفنا وتشعر بما تحبه وتقبله أو تبغضه وتخافه وتحاول إبعاده ما استطاعت!

 

شارك الخبر مع أصدقائك