تأميـــن

نزهى غليوم يكتب: صور الفساد فى قطاع التأمين

دون إطالة فى المقدمة وبكثير من التركيز وقليل من التفاصيل نستعرض بعضًا من صور الفساد التى قد تكون ظهرت وتناولتها أدوات الرقيب، ومنها ما توارى ولم يُدرَك بعدُ؛ إما لقصور الرقابة، أو اقتصارها عنه

شارك الخبر مع أصدقائك

الفساد بقدر ما هو مصطلح بغيض بقدر ما انفرد بصدارة الأخبار منافسًا للإرهاب، بل متخطيًا له فى الخطورة حتى أصبحت تُعقد المؤتمرات الدولية لمكافحته وتتبادل الدول بشأنه الخبرات، ومنها المؤتمر الذى تقوده مصر على المستوى الأفريقى، ولا غرابة فقد وُضع على عاتقها قيادة القارة فكان من الحتميّ درء مخاطر الإرهاب والفساد لبسط الأمان وحماية التنمية في آن واحد.

ولا أحسب أن قطاع التأمين بمنأى عن الكثير من صور الفساد، بل قد ينفرد بصعوبة إقامة الدليل المادى على وجوده رغم وجوده سافرًا ظاهرًا مجاهرًا.

وقبل استعراض صور الفساد فى قطاع التأمين.. نستعرض كيانات الرقابة المباشرة فهى قوات المكافحة وهى مدجّجة بترسانة من الأسلحة الفاعلة والقادرة على سحق الفساد بكل صوره إن أرادت وأجادت استخدام أسلحتها. وأول هذه الكيانات هي الهيئة العامة للرقابة المالية، ثم الجهاز المركزى للمحاسبات الذي يراقب الشركات التى تزيد حصة المال العام فى رأسمالها على 25% ثم مراجع الحسابات المستقل، وذلك فى شركات القطاع الخاص، بالإضافة إلى أجهزة الرقابة الأخرى غير المباشرة.

نزهي غليوم خبير استشاري تأمين وإعادة تأمين

ودون إطالة فى المقدمة وبكثير من التركيز وقليل من التفاصيل نستعرض بعضًا من صور الفساد التى قد تكون ظهرت وتناولتها أدوات الرقيب، ومنها ما توارى ولم يُدرَك بعدُ؛ إما لقصور الرقابة، أو اقتصارها عنه.

أهم صور الفساد في قطاع التأمين

أولًا: فى الإنتاج

وهو المعنيُّ بجلب العمليات التأمينية لشركة التأمين، وقد يكون مباشرًا بجهد من إدارتها أو أجهزتها التسويقية أو بوسطاء مستقلين، سواء شركات أو أفرادًا، والمُتابع للأداء فى هذا المجال بالسوق المصرية منذ نصف قرن أو يزيد، يشهد مدى نقاء العاملين ولم يكن يُسمَع صوت الفساد فقد كان همسًا لندرته، واستهجان الكل له، أما فيما بعد فصار مدويًا فى أروقة الشركات وعلى موائد الاجتماعات، وما كان مستهجنًا ومنكرًا بشدة صار مألوفًا وبالعامية “عادي”، وخلافه هو العجب، فبدأت أنفاق الفساد بين المسئول الفنى على أى مستوى والوسيط لتمرير العمليات المشوبة بصورة أو أخرى، ثم صارت جسورًا جسورة وما يترتب عليها من آثار أوّلها تضاؤل المسئول أمام الوسيطأ وأترك باقى الآثار لخيال القارئ وخبرته.

وتعددت صور أخرى للفساد، منها إخفاء حقائق ضرورية للاكتتاب، أو سلب حقوق الوسيط، وتحويل جهده لآخرين، أو ابتزازه بصورة أو أخرى، وتزداد معاناة الوسيط طرديًّا مع أمانته، وفى كل الأحوال فالمسئول الأول هو الجهاز الفنى للشركة.

العمليات الفنية لم تسلم من الفساد في التأمين

 
ثانيًا: فى العمليات الفنية

وتشمل الإصدار والتعويض وإعادة التأمين.. ففى الإصدار حدِّث ولا حرج فى وضع الأسعار الجزافية صعودًا وهبوطًا حسب الهوى، خاصة بعد تحرير السوق من التعريفة، والتى لم تكن تسلم من التجاوزات باستخدام الملاحق المرتدة، والتى قد تُستخدم حاليًّا لأغراض أخرى.

وأيضًا فى وضع بعض الشروط السالبة لحقوق العميل بصياغة غامضة تحمل أكثر من معنى، وكلها تحت بند الشروط الخاصة لإكسابها قوة أكبر، وللهروب من المراجعة المسبَّقة للرقيب ولا يدركها العميل إلا عند التعويض، خاصة مع تراجع الوعى التأمينى والذى يتمثل فى عدم إطلاع العميل على وثيقة التأمين فور تسلّمه لها وفهم ما تحويه وطلب إيضاح لما لا يفهمه ذلك مع معظم المستويات العلمية والثقافية فى المجتمع.

أما عند التعويض فهنا تتجلى قدرات الشركة على المنافسة الحقيقية بتقديم الخدمة التأمينية كما يجب، أو بتقديم كئوس العذاب وألوان الفساد البشِعة فى معاينة الخسائر أو المستندات التى تُطلب، أو التأخير بلا سبب فى الإجراءات، أو الرفض المتعسف للمطالبة، أو القيمة المتدنية للتعويض.. وقد تكون شركة التأمين مُحقّة فى بعض حالات الرفض، لكنها لم تقم بدورها في توعية عميلها لما يمكن أن يؤدى إلى رفض مطالبته قبل نشأة أسبابها.

إعادة التأمين.. عالم سري وبه أرقي صور الفساد

أما فى إعادة التأمين فهذا العالم السري وما به من أرقى صور الفساد، ولا تتعجب لمصطلح “أرقى”؛ لأنه هكذا يبدو وأطرافه ووسائله قد لا تُرَى ويصعب إقامة الدليل عليها، بل إن نتائج هذا الفساد لا تُدرَك ولا يلمسها إلا متخصص فى تحليل النتائج بحرفية عالية.

بل دعْني عزيزى القارئ أمرِّرْ لك جملة مختصرة هى أن وأد الشركة المصرية لإعادة التأمين هو أكثر صور الفساد جسارة، وعدم إعادتها للوجود هو رعاية مستمرة له أكثر جسارة.
 

في الشئون المالية يبلغ الفساد قمه أهدافه في التأمين

ثالثًا: فى الشئون المالية

وهنا يبلغ الفساد قمة أهدافه من تضليل المساهمين وغيرهم، بما يُعرف بتجميل الميزانيات بوضع مساحيق التزوير على قبح الأداء، فتجد التلاعب فى تقدير المخصصات الفنية التى لا تعبِّر عن الالتزامات الحقيقية للشركة، مما يعنى ترحيل الانهيار للمستقبل، والذى قد يمتد لسنوات وسنوات تُطيل من أمَد الإدارات الفاسدة أو العاجزة للشركات، أو التلاعب فى الأقساط المكتتبة؛ للإيحاء بإنجازات وهمية لتقديم صورة زائفة عن الشركة، وأول ضحاياها هم المساهمون، أو بعدم تسوية أرصدة مَدينة انتهى الغرض منها، وبات حتميًّا تسويتُها، ولكن لا تقوم الإدارة بذلك؛ لأنه يؤدى إلى تحويل الأرصدة المَدينة إلى تكاليف تؤدى إلى خفض الأرباح أو ظهور خسارة، وهى الحقيقة التى تستميت الإدارة لإخفائها.

كيف يمكن كشف الإنحراف أو بعضًا منه في التأمين؟

وحتى لا يكون حديثنا عن الظلام فقط رغم أننى لم أسرد إلا بعضًا من جوانبه ولم أكشف أعماقه حالكة السواد؛ لضيق المساحة، وضرورة لذلك أختم مقالي بتقديم بعض وسائل الإنارة للاستنارة لمن يرغب فى تبديد الظلمة وكشف بعض الانحراف.. فى نقاط مختصرة:

1 – راجع ملاحظات الرقيب أيًّا كان بعمق والبعد الزمنى لكل ملحوظة، خاصة ملابسات نشأة الملحوظة، وكيفية اكتشافها، ومدى أهميتها، وعلاقتها بجوانب الأداء المختلفة.. ثم رد إدارة الشركة عليها، ومدى موضوعية هذا الرد، والأهم هو موقف الرقيب من الرد! لأن ذلك سيكشف عن قدرات الرقيب وأمانته، وكفاءة الإدارة وأمانتها، كذلك يجب متابعة ذلك لعدة سنوات والتركيز على ما يتكرر من ملاحظات وما يستجدّ، خاصة مع تغير الرقيب أو تغيرالعاملين لديه؛ والمكلفين بالرقابة على الشركة.

2 – التحليل الفنى والمالى للنتائج

فعلى سبيل المثال مقارنة معدلات الخسائر للشركة مع معدلات السوق، ومقارنتها من عام لآخر، وإن أمكن تطبيق بعض الطرق الاكتوارية لتقدير المخصص أو طلبها من خبير اكتوارى بشهادة رسمية منه.

مقارنة كل المعدلات للشركة مع معدلات السوق، مثل معدل المصاريف الإدارية، ومعدل التكاليف الإنتاجية، ونسبة إنتاج الإدارة لإجمالي الإنتاج مع استبعاد التأمين الإجباري على السيارات.

مراجعة الأقساط تحت التحصيل وتوزيعها على سنوات إصدارها، وهذا الأمر يكشف النمو الحقيقى للاقساط المكتتبة فى كل شركات التأمين وبالأكثر فى شركات تأمين الحياة.
3 – راجع الأرصدة المدينة والتى مضى عليها سنوات وما زالت تظهر بالميزانية، وابحث عن أسباب استمرارها، كذلك أيضًا الأرصدة الدائنة.

إذا كان الفساد في التأمين بارعًا فوسائل كشفه أكثر براعة

هذا على سبيل المثال وليس الحصر، وأؤكد أنه مهما كان الفساد بارعًا فى الإصرار على وجوده، فوسائل كشفه ومكافحته أكثر براعة، وذلك يضع المسئولية على الرقيب، بل لعل أهم مسئولياته هو أن يراقب ذاته لينجح فى رقابة الآخرين، وكذلك المساهمون وممثلوهم؛ لحماية أموالهم، وكذلك الإدارة الأمينة التى تعي حقًّا أنها مؤتمَنة وهى مسئولية تنوء بحملها الجبال.

أعلم أننى لم أضع إجابة لتساؤلات كثيرة ما زالت عالقة، ولكني أؤكد أن إثارة التساؤل هو هدف إيجابى، بشرط ألا يكون هو النهاية.

خبير استشارى تأمين وإعادة تأمين

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »