شريف عطية

نذر الحرب فى القرن الأفريقى

شارك الخبر مع أصدقائك

وسط تحديات فنية ومالية تواجه استكمال بناء نحو %25 من سد النهضة الإثيوبى، وبالمخالفة لأوجه التعاون القوى- تاريخياً- بين إثيوبيا والولايات المتحدة، فى معيتها إسرائيل، وبالتزامن مع بحث سبل التعاون بين الدولة العبرية والسودان على نحو لم يكن متوقعاً، إذ بالرئيس الأميركى يفاجئ الأفريقيين، ومصر بصفة خاصة، قبل أيام من انتهاء فترة رئاسته الأولى التى من غير المعلوم امتدادها أو أنها ستكون الأخيرة، ذلك حين أضافت تصريحاته 23 أكتوبر الحالى- خياراً عسكرياً- للنزاع بين مصر وإثيوبيا بشأن سدّ النهضة، معرباً عن تفهمه لغضب مصر إزاء تعنّت الموقف الإثيوبى من المساس بأمنها المائى، ما قد يدفعها فى نهاية الأمر إلى «تفجير السدّ»، إذ «عليهم أن يفعلوا شيئاً»، إلا أن صمت مصر «الرسمية» عن التعقيب على تصريحات الرئيس الأميركى، لم يحل دون الإذن للبرلمان لنفيها- باعتبارها «لا تترجم» رفض الموقف المصرى استخدام القوة مع «أشقائها الأفارقة».. كإجراء مستبعد لفض المنازعات فيما بينهم، ذلك فيما صعدت إثيوبيا من احتجاجاتها على التصريحات الأميركية بالتوازى مع محاولاتها حشد تأييد عالمى لموقفها الداعى لتعزيز التعاون مع دول الجوار.. إلخ، لكن دون التطرق لمناقشة الأسباب المؤدية لإخفاق المفاوضات طوال العقد الأخير.. بينها وبين دولتى المصب- السودان ومصر- ما يؤثر على حصتهما المائية (الشحيحة) إزاء إجراءات إثيوبية أحادية الجانب، من المؤكد أن وراءها ما يشجعها على ذلك، سواء لتطويع مصر منذ أزمنة سحيقة سابقة أو سواء من دول ناشئة فى الشرق قبل سنوات.. تسعى لإرواء ظمأها المائى من خلال المناورة بالحرب أو الدبلوماسية أو التآمر فى دول أعالى الأنهار- من النيل إلى الفرات- بأقله منذ تطلع «تيودور هرتزل» 1904 إلى بناء مستعمرة يهودية شرق العريش، تصلها مياه النيل عبر أنابيب تمر إليها من تحت قناة السويس، الأمر الذى رفضه وقتئذ «السلطان عبدالحميد» لأسبابه.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (990).. علمنا النسبى فى رحاب العلم اللدنى (3)
فى سياق ما سبق، ليس من المستبعد على الدبلوماسية الإسرائيلية تفعيل قنواتها الخلفية – كالمعتاد- مع الولايات المتحدة، للحض على إشعال حرب فى شرق أفريقيا، لا غالب فيها أو مغلوب، وإن كان الكل خاسرًا، باستثناء إسرائيل التى تنتظر عند نهاية المصب كى تصلها مياه النيل، ما يجوز معه قراءة التصريحات الأميركية الأخيرة- من هذا الجانب، ما يؤدى إلى «وضع خطير جدا» يفاقم حرب المياه الجارية على ضفاف نهر النيل، برغم وجود تسوية تم التفاوض حولها- لسنوات- برعاية أميركية (اتفاق واشنطن فبراير 2020)، إلا أن إثيوبيا رفضت القبول بها، وتبعها السودان وقتئذ من موقف غير مفهوم، ربما يمكن تفسيره تاليًا فى ضوء المستجدات فى الأسابيع الأخيرة.. من اتجاه الخرطوم إلى بدء خطوات التطبيع مع إسرائيل فى اتفاق وصفته الحكومة السودانية بـ«التاريخي»، لم تكن واشنطن بعيدة عن الإعداد له من خلال الإعلان عن عزمها شطب السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، ما يمهد للاعتراف المتبادل بين الدولتين.. إحداهما مكتفية مائياً فيما الأخرى ظامئة إليه، وبينهما- مصر- التى عليها ألا تلتفت لصيحات الحرب، على غرار ما سبق من سيناريو شبه مماثل فى مطلع التسعينيات بشأن البترول بين كل من العراق والكويت والولايات المتحدة التى استدرجتهما وقتئذ إلى الحرب، الأمر الذى يحذر من مغبتها البيان الصادر عن رئيس حزب الأمة القومى السودانى «المهدي».. تعقيباً على تطبيع العلاقات السودانية- الإسرائيلية، إذ من شأنها- بحسبه- «القضاء على مشروع السلام فى الشرق الأوسط.. وفى التمهيد لإشعال حرب جديدة»، ما يجدر القول معه إنه إذ لم يكن من الشر بدّ، من بعد توالى أرتال التطبيع العربى مع إسرائيل، فإنه يجدر بالمصريين ممن استحدثوا تطبيقات «السلام البارد» لما يزيد على أربعة عقود، حرصاً على بلادهم من السطو الصهيونى على دورها الإقليمى، تبصرة العرب لعدم الهرولة إلى «سلام ليس غير دائم» مع الخصوم التاريخيين، سواء مع الولايات المتحدة التى تؤجج النزاع- وفى معيتها إسرائيل- حول سدّ النهضة.. من حيث تفهمهما لما يقارب التحريض لمشروعية الخيار المصرى لتدميره، أو فى استدراجهما السودان (وغيره) بعيداً عن مصر.. لينضم من ثم إلى اتفاق إقليمى (غير معلن) بين إثيوبيا وإسرائيل، وإذ فى الوقت الذى تدعو فيه أوروبا إلى «التهدئة».. تبدو إثيوبيا- ومن هى فى معيتهم- عازمة على عدم التراجع عن مواقفها المتعنّتة، فإن نذر الحرب لا تبدو بعيدة عن استئناف التنازع بين القوى الإقليمية والدولية للهيمنة على منطقة القرن الأفريقي
اقرأ أيضا  من تراب الطريق (987)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »