نحو « سلام ليس غير بارد » بين العرب وإسرائيل

شارك الخبر مع أصدقائك


تبدو عملية السلام بين العرب وإسرائيل بصدد المقاربة نحو مرحلة جديدة ثالثة، من بعد أن فتحت مصر بعد حرب أكتوبر فى السبعينيات.. أبواب السلام على مصراعيها مع الدولة العبرية.. التى فضلت لأسبابها أن تبقيها مشرَّعة ما بين اللاحرب واللاسلم، ربما لنوازع أمنية وسيكوباتية تتوجس من العداء التعصبى العربى أو لخشيتها من تفكك نسيجها المجتمعى الموزاييكى، بسيان، وليمضى ما يزيد على عقد من الزمان بعد توقيع معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية 1979، قبل أن تهيئ حرب الخليج الثانية 1991.. ظروفًا إقليمية ودولية مناسبة لعقد المؤتمر الدولى للسلام فى مدريد بنهاية العام، وهو الذى لم ينعقد منذ جلسته الافتتاحية فى ديسمبر 1973، وما إن اقتربنا من منتصف العقد إلا ونجحت «المسارات الثنائية»، وفقًا لتوصيات المؤتمر فى إبرام اتفاقيات أوسلو» و«وادى عربة» بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين والأردن على التوالى، ومن دون تحقيق نجاح مماثل فى المفاوضات المباشرة السورية – الإسرائيلية.. ولا فى التوصل إلى تسوية نهائية للمسألة الفلسطينية فى نهاية العقد، إيذانًا بتجمد عملية السلام مع بداية القرن الجديد- ولخمسة عشر سنة تالية- إلا من تحركات أشبه بخداع النظر عن التقدم ولو قيد أنملة إلى الأمام، جرت خلالها مياه كثيرة تحت الجسور، غيضًا من المشروع العربى.. وفيضًا على المشروع الصهيونى، ما بين اللاحرب القائمة عمليًا (انتفاضة الأقصى- حرب 2006 اللبنانية- وعلى قطاع غزة).. أو بين اتفاقات سلمية ضمنية غير معلنة (…)، ولتصبح إسرائيل من ثم فى أفضل أوضاعها الإستراتيجية- عسكريًا ودبلوماسيًا- على امتداد مسرح عمليات الشرق الأوسط من أفغانستان إلى المغرب، لم يسبق أن امتلكته بهذا القدر من قبل.

فى مثل هذه الحالة من اللاتوازن بين المشروعين العربى والصهيونى، لصالح الأخير، ربما تبدو إسرائيل أكثر استعدادًا اليوم لتوظيف هذا الوضع الإستراتيجى لجهة مكاسبها التفاوضية فى مرحلة ثالثة من عملية السلام- ربما تكون الأخيرة- ذلك لو أنها قد تخلصت بالفعل من مخاوفها العربية وفزعاتها السيكوباتية بسيان، ما يجعلها أكثر قدرة على التحرر من معتقدات قابضة على طبيعة الصراع من أجل السلام، وفى الاتجاه من ثم نحو تحريك التسوية مع الفلسطينيين (لب النزاع وليس جوهر الصراع)، بما فى ذلك بحث واقتراح ترتيبات لمسائل السيادة للجانبين بين البحر والنهر، إضافة إلى تقديم تسهيلات اقتصادية وإدارية وسيادية (ليست غير منقوصة) للفلسطينيين.

فى سياق متصل، من اللافت بروز خطاب إسرائيلى رسمى يؤكد على الفرص الاقتصادية للفلسطينيين، ذلك على النحو المطروح إسرائيليًا منذ سنوات، قد يكون من غير المنطقى ألا يعتمده الفلسطينيون- بأقله- كأساس لمرحلة جديدة أفضل من اللاشىء لو أنهم لم يقبلوا به، وهو ما قد يؤسس على الأرجح لمشروع سياسى مجددًا أبعد مما توصلت إليه عملية السلام فى السبعينيات والتسعينيات، الأمر الذى سوف يكون محور التفاوض للمرحلة السلمية الجديدة، وهو ما يتوازى مع الطرح الذى اقترحته مصر- قبل شهرين- لتوسيع «كامب ديفيد» ذلك من خلال المفاوضات «المتعددة المسارات»، تضم السعودية، بحسب الأنباء المتواترة، إلى جانب مصر والأردن  وسوريا والفلسطينيين، السابق التفاوض بينهم وبين إسرائيل فى المرحلتين السابقتين، استنادًا إلى مرجعية المبادرة العربية للسلام 2002، التى تراجعت إسرائيل عن سابق تحفظاتها عليها، ما يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبوع الماضى إلى التصريح بأن علاقات بلاده مع دول عربية «مهمة».. تشهد «انقلابًا».. وتمر بمرحلة «تحول جذرى»، وإلى أن يوجه من جانب آخر رسالته الإلكترونية إلى «مواطنينا العرب الأعزاء» فى إسرائيل يدعوهم فيها إلى المشاركة، «بكثافة» مع المجتمع الإسرائيلى، ما يمثل «غزلا مباغتًا»، قد لا يكون موجهًا للفلسطينيين بقدر ما هو موجه لأطراف خارجية ودولية، ولأسباب أخرى يمكن استنتاجها مثل (المبادرة الفرنسية، الحديث عن مشروع أممى لحل الدولتين لا تستخدم واشنطن ضده حق «الفيتو»، قرب التوقيع على أضخم مساعدات أميركية لإسرائيل خلال العقد القادم، اتجاه الفلسطينيين إلى محاكمة وعد بلفور دوليًا، تصاعد العزلة الإقليمية والدولية التى تعانيها إسرائيل.. إلخ)، وكلها أمور من المرجح أن تمهد لمرحلة ثالثة وجديدة نحو «سلام ليس غير بارد» بين العرب وإسرائيل.

شارك الخبر مع أصدقائك