شريف عطية

نحن والأمريكان.. قصة لم تنته

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية :

منذ خرجت بريطانيا من الحرب العالمية الثانية.. منتصرة، وإن منهكة القوى، تجر وراءها أذيال الخيبة عن مستعمراتها التى لا تغيب عنها الشمس، لصالح «الأخ الأكبر» الأمريكى.. يحث الخطى لملء الفراغ الاستراتيجى الناشئ عن الانحسار البريطانى عن مصر.. كما غيرها من بلدان منطقة الشرق الأوسط.

إلى ذلك، ومع مطلع الخمسينيات.. والولايات المتحدة غالباً ما تراهن فى مصر على الجواد الرابح، من وجهة نظرها ولصالح إسرائيل، إذ ساندت «الحكام الجدد» وقتئذ للخلاص من الطبقة السياسية ذات الوشائج مع الإنجليز، فما لبثوا بعد استتباب الشأن الداخلى لنواهيهم.. وتحقيق الجلاء، أن انقلبوا على السياسة الأمريكية بعدما تبين لـ«عبدالناصر» ورفاقه.. التباس مقاصدها بالنسبة لتسليح الجيش وبناء السد العالى.. والقاعدة الصناعية، ولتستمر سنوات التصدى، بأشكال مختلفة بينهما، لتصل ذروتها 1973-1967، قبل أن تستأنف الولايات المتحدة زخم نفوذها فى مصر، من بعد تورطها فى سبيل إنجازه، فى «حربين» كادتا تتسببان فى مواجهة نووية مع القطب الآخر فى النظام الدولى.

مع منتصف السبعينيات، تصور «السادات» إمكانية تطويع إسرائيل من خلال تطبيع علاقاته مع الولايات المتحدة، وراهن فى سبيل ذلك بالعديد من الثوابت المصرية الراسخة قبل عقد الخمسينيات، إلا أنه- من أسف- لم يستطع تطويع إسرائيل، ولا أخلص له «الشريك الكامل» الأمريكى فى رؤاه الوطنية، وليروح ضحيتهما فى أكتوبر 1981.

إلى ذات السياق، يؤكد- من بعد- وزير الخارجية الأمريكى «الكسندر هيج» عند لقائه بالقيادة المصرية فى القاهرة نهاية أكتوبر، بعد أيام من اعتلاء «مبارك» سدة الحكم، ضرورة انتهاج مصر لما راج بعدئذ بـ«الاستمرار من أجل الاستقرار»، على الصعيدين الداخلى والخارجى، الأمر الذى التزم به النظام الحاكم لثلاثين عاماً تالية، على حساب مصالح البلاد والعباد، ليستحق أن يوصف بـ«الكنز الاستراتيجى»- من وجهة نظر واشنطن وحليفتها الإسرائيلية، ذلك قبل سقوطه المدوى فى يناير 2011.

ولقد كان من المفترض للولايات المتحدة بعد اليقظة الجماهيرية المصرية.. أن تراجع أسلوب رهاناتها السابقة.. فى اتجاه دعم بناء الديمقراطية الناشئة، بما يتجاوب مع الرأى العام المصرى، غير أنها كعادتها فى التحولات السياسية السابقة، لم توله الاهتمام الكافى، مفضلة الاستمرار فى الاعتماد على ما يحقق مصالحها- من وجهة نظرها- خشية بروز «الجذر الثورى» الكامن الذى قد يمانع مشروعها فى إعادة بناء الشرق الأوسط «الجديد» أو «الموسع»، ولتراهن واشنطن من ثم، ولأسبابها، على أكثر القوى براجماتية فى مصر.. وأقلها دراية بشئون الحكم والسياسة» وأشدها احتياجاً لها، لكى ترمى بثقلها إلى جانبه، ربما بتصور إمكان مساعدة تيار الإسلام السياسى «المعتدل» لها.. لاحتواء الإسلام الراديكالى.. فى إطار «الحرب ضد الإرهاب»، أو ربما فى سياق اعتقاد انصياعه لأهدافها فى عقد «مصالحة تاريخية» بين اليمين الدينى فى كل من مصر وإسرائيل، تصبغ بطابعها بقية أرجاء المنطقة، الأمر الذى عجزت عنه أمريكا وإسرائيل.. لستة عقود خلت، سواء مع الأنظمة المعادية لها أو الحليفة، إلي آخر تلك المبررات التي تناسب العلاقة بين التابع والمتبوع، كما تريدها الولايات المتحدة دائماً.. أن تكون.

إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة فى واقع الأمر، تمثل الرقم الصعب فى معادلة الاستقرار فى مصر أو استدامة الفوضى، وهو أمر قد يبدو لصالحها على المدى المتوسط، على الأقل فى فترة الانتقال باستراتيجيتها الدفاعية الجديدة 2012.. إلى الشرق الأقصى، ولكن ربما يغيب عن الولايات المتحدة أنه بقدر ما يكون رهانها مضموناً.. فإنه يحمل بنفس القدر عوامل إجهاضه، طالما أن الرأى العام المصرى ليس ضمن عناصر المعادلة الأمريكية المعتادة، خاصة أن المصريين اليوم غيرهم بالأمس، يمثلون رقماً صعباً مستجداً فى العلاقة غير المتكافئة بيننا وبين الأمريكان.. كقصة لم تنته فصولها بعد.

شارك الخبر مع أصدقائك