استثمار

نحن لا نتعلم من التاريخ.. وما حدث فى مصر بالأمس يحدث فى أوكرانيا اليوم

يفجين كيرلينكو حوار _ سمر السيد - هاجر عمران : تنتظر مصر وأوكرانيا اختيار رئيس جديد بعد الإطاحة بالنظام الحاكم فى كلا البلدين، وتشير التوقعات إلى أن الاستقرار السياسى وبناء الاقتصاد من أهم الثمرات الإيجابية للثورات الشعبية بشكل عام، ورغم…

شارك الخبر مع أصدقائك

يفجين كيرلينكو
حوار _ سمر السيد – هاجر عمران :

تنتظر مصر وأوكرانيا اختيار رئيس جديد بعد الإطاحة بالنظام الحاكم فى كلا البلدين، وتشير التوقعات إلى أن الاستقرار السياسى وبناء الاقتصاد من أهم الثمرات الإيجابية للثورات الشعبية بشكل عام، ورغم التباعد الزمنى والمكانى بين الدولتين، فإن إقصاء المعارضة والفساد المالى والإدارى بجانب زيادة الفقر وعدم شعور المواطنين بتحسن الاقتصاد كانت السمات الأساسية المشتركة بين شعبى البلدين والتى أدت فى النهاية إلى طوفان لم يصمد أمامه حسنى مبارك ومن بعده محمد مرسى أو فيكتور يانوكوفيتش!

أكد يفجين كيرلينكو سفير «كييف» فى القاهرة فى حواره لـ«المال»، أن اختيار رئيس منتخب فى الدولتين والاستقرار السياسى المترتب عليه سيكون له بالغ الأثر فى تفعيل التعاون البينى على المستوى الاقتصادى وفتح صفحات جديدة فى الكثير من الملفات المشتركة، متوقعاً تنصيب الرئيس الأوكرانى الجديد قبل يونيو المقبل وهو ما يشبه الوضع فى مصر.

وأضاف أن الأوضاع الحالية فى البلدين متشابهة إلى حد ما وأن التاريخ دائما يعيد نفسه، ومع هذا فإن الحكام لا تأخذ العبرة منه أو تتعلم أى شىء، على حد تعبيره.

وأوضح أنه على الصعيد المحلى عندما كان الرئيس السابق الدكتور محمد مرسى فى سدة الحكم همش الأحزاب السياسية الأخرى وحاول إقناع الشعب بأن جماعته تستطيع القيام بكل شىء دون الحاجة لإشراك القوى الأخرى فى مجريات العمل االسياسى وهو ما فعلته السلطة الأوكرانية مما أدى إلى فشل السلطتين فى حكم بلادهما وقامت ضدهما ثورتان شعبيتان.

وتابع أن فشل النظامين المصرى والأوكرانى فى إدارة شئون بلادهما خلف الفقر والفساد والسرقة والتدهور الاقتصادى، مشيراً إلى أن الشعب وحده يدفع ثمن الأحداث والتوترات، لافتا إلى أن نجل الرئيس الأوكرانى السابق أصبح مليارديراً خلال عام واحد فقط! هذه الواقعة لم تحدث فى أى دولة بالعالم، خاصة أنه لم يستثمر أمواله فى أى مشروعات مفيدة للاقتصاد مع اقتصاره فقط على الاختلاس من ميزانية الدولة.

ولفت السفير الأوكرانى إلى أن مكافحة الفساد المؤسسى والوزارى يعتبر تحدياً صعباً للحكومة الجديدة، حيث هرب أحد مسئولى الحكومة السابقة بعدد كبير من المستندات المالية التى تحتوى على رشاوى من بعض الشركات وعقود لبعض المناقصات والمزايدات التى تمت ترسيتها بطرق مشبوهة، وهو ما كان سيعرضه للسجن لمدة تتراوح بين 10 و15 سنة، لافتاً، إلى أن الحكومة الصينية تقتل ما يربو على 50 ألف فرد سنوياً فى إطار مكافحة الفساد.

وأشار إلى أن الدولة الوحيدة التى نجحت فى تجاوز أزماتها والتعلم من التاريخ هى اليابان وتعتبر أكثر دول العالم نجاحا فى محاربة الفساد والبيروقراطية.

وأبدى أسفه لقتل الأشخاص الذين ماتوا فى البلدين للدفاع عن حرية أوطانهم مشيراً إلى أن أكثر من 82 فرداً قتلوا فى الثورة الأوكرانية من أجل الدفاع عن سيادة القانون والكرامة والعدالة الاجتماعية، متوقعاً أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية فى أوكرانيا فى وقت قصير على الرغم من المهام الصعبة التى تنتظر أى حكومة جديدة .

وأضاف أن المطالبات بإعادة هيكلة الوضع الحالى للنظام الاقتصادى من أهم السمات المشتركة فى البلدين مشدداً على ضرورة إنشاء بنية تحتية ضخمة ومصانع عملاقة لإنتاج منتجات وطنية المنشأ تنافس مثيلتها المصنوعة فى روسيا بجانب السعى لجذب أكبر مستثمرين أجانب للعمل فى بلادنا.

وكشف أن هناك العديد من المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولى تعرض المساعدات على أوكرانيا سواء منحاً أو قروضاً، ولكن لم تحصل على أى شىء من هذه المساعدات حتى الآن.

قال البنك الأوروبى للإنشاء والتعمير فى بيان له الأسبوع الماضى، إنه رصد 5 مليارات يورو حتى عام 2020 لأوكرانيا، ضمن برنامج لإعادة هيكلة الاقتصاد، مؤكداً على دور التمويل المتاح فى زيادة ثقة المستثمرين الأجانب فى الاقتصاد الأوكرانى.

وأضاف البيان أن البنك ينسق مع صندوق النقد الدولى لإتاحة التمويل اللازم لمحاربة الفساد فى البلاد، مشيرا إلى أن البنك يعمل عن قرب مع السلطات الأوكرانية لوضع الشروط الملائمة لجذب الاستثمارات إلى البلاد.

وقال كيرلينكو إن الفرصة تعتبر جيدة للمستثمرين الأوكرانيين حالياً للمجئ لمصر، ولكن عدم استقرار الأوضاع الأمنية أو السياسية يؤجل أى رغبة حقيقية لذلك.

 وعلى صعيد الاستثمار فى أوكرانيا، أكد أن النظام الأوكرانى السابق صعب من مناخ الاستثمار سيئاً، خاصة فى ظل تحكم نجل الرئيس فى معظم مجالات الاستثمارات الجيدة مثل السيارات والأقمار الصناعية، مضيفاً أن عدداً من المؤسسات المالية الدولية تضع شروطاً للاستثمار هناك من بينها إجراء الكثير من التعديلات الاقتصادية أبرزها رفع الضرائب وتقليل العاملين بالقطاع الحكومى فى الدولة.

ولفت إلى أن ارتفاع حجم العاملين بالجهاز الإدارى للدولة يعتبر إرثاً قديماً من الاتحاد السوفيتى السابق ويحمل الحكومة أعباءً ضخمة نتيجة دفع الرواتب والمعاشات والرعاية الصحية، مشيراً إلى احتياج الحكومة لوضع نظام تدريجى لتوظيف العمالة بالقطاعات الحكومية ووقف الاحتجاجات العمالية بدلاً من الطريقة التى كانت تتعامل بها الحكومتان الأوكرانية والمصرية من قبل واصفاً إياها بالغبية والتى كانت تتمثل فى تسريح بعض العمالة وتعيين أخرى جديدة وهكذا.

ودلل على ذلك بشركة مصر للطيران التى تمتلك أسطولا كبيراً من الطائرات ولكنها مع ذلك لا تستطيع أن تنجو بنفسها من الأزمة الاقتصادية التى تعانيها.

وأضاف أن تغيير أساليب تفكير الناس حالياً يعتبر البداية تجاه التعافى الاقتصادى سواء كان ذلك من خلال تغيير تصرفاتهم اليومية أو عاداتهم الشرائية أو بالالتزام فى دفع الضرائب التى قد تصل إلى نحو 100 ضريبة مفروضة هناك، مؤكداً أن الطريقة التى أدار بها الاتحاد السوفيتى السابق شئون أوكرانيا خلال فترة تبعيتها له خلفت شعبا تابعا غير قادر على التصرف أو الاعتماد على نفسه منتظراً ما الذى سيقرره له الحاكم فى موسكو سواء ماذا سيبيعون أو يشترون أو يأكلون وغيرها.

وبين أن هذا التغيير يعتبر سهلاً ولكنه سيستغرق وقتاً أطول طالما تتوفر الإرادة الشعبية التى لم تعد تخشى الحاكم الفاسد بعد أن ثارت عليه، متوقعاً حدوث تعافىٍ الاقتصاد لبلاده فى مدة تتراوح بين 5 و10 سنوات، ولكن ذلك يتوقف على الشخص الذى سيتولى إدارة المرحلة المقبلة هناك.

وأضاف أن أوكرانيا منذ انفصالها عن الاتحاد السوفيتى الأسبق بعد انهياره فى التسعينيات من القرن الماضى، وهى تحاول الاقتداء بدول أوروبا الغربية من خلال رفع معدلات نمو اقتصادها ومحاولة تكوين دولة قوية إلا أن الدب الروسى كان وما زال يحلم باستعادتها وضمها تحت عصبته لاستعادة مجده القديم وهو ما قد يجعل البعض يخلط بين هوية شعبى الدولتين.

ومن الجدير بالذكر أن موسكو أحكمت قبضتها العسكرية على شبه جزيرة القرم خلال الفترة الماضية ودعت السلطات الموالية لروسيا فيها إلى استفتاء فى 16 مارس الحالى بشأن الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا.

وبنبرة حادة قال كيرلينكو، مستحيل أن يضم الجانب الروسى أوكرانيا، فالأوكرانيون لا توجد لديهم أى مشكلات فى تمتع روسيا بقوة كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية لكن المشكلة تكمن فى قيامها بشراء عدد كبير من المصانع الأوكرانية وإغلاقها لتقتل المنافسة مع مصانعها نظراً لجودة المنتجات الأوكرانية، موضحاً أن روسيا تمتلك 80 % من مصانع الزيوت فى أوكرانيا، حيث يخطط الروس لخفض القدرة التنافسية لمنتجاتنا بأنه لن تكون هناك أى وفود تجارية أوكرانية تزور مصر خلال الفترة المقبلة، متمنياً حدوث ذلك قريباً نظراً لوجود عدد كبير من المشروعات المشتركة الممكن القيام بها من بينها مشروع لقمرين صناعيين أول وثانٍ بالتعاون مع وزراة الإعلام وقد تم الانتهاء من إنشاء الأول الذى دخل حيز التشغيل منذ عامين وكان من المنتظر البدء فى إنشاء الثانى فى عام 2011، وهو ما تم تأجيله بسبب نقص السيولة المالية الكافية، رافضاً الإفصاح عن التكلفة المالية للمشروع.

وأشار إلى توقيع اتفاقية مع الجانب السودانى على غرار الموقعة مع الجانب المصرى لتطوير قمر صناعى ولبناء محطات لمتابعته وذلك بعد أن طلب السودانيون السماح لهم باستخدام القمر الصناعى الأوكرانى.

ولفت إلى احتياج المصريين للتركيز على الإنتاج بعد أن ابتعدوا عنه واتجهوا إلى الاتجار فى المنتجات المستوردة وهو يعتبر أحد المجالات التى يمكن أن تساعد فيها حكومة بلاده عن طريق خبراتها فى تصنيع الأتوبيسات وإنشاء السكك الحديدية وتصنيع مستلزماتها على سبيل المثال.

وأشار إلى إمكانية إنشاء طرق إقليمية مع ليبيا والسودان وغيرهما ورحب الجانب المصرى بذلك كثيراً غير أن التنفيذ لم يحدث حتى الآن.

يفجين كيرلينكو  يتحدث لـ المال

و قال السفير الأوكرانى: هناك مشروعات مشتركة مع وزارة الطيران من بينها تدشين خط طيران مباشر مع كييف لكن لم يتم تفعيله حتى الآن، على الرغم من أهمية السياحة الوافدة من أوكرانيا والتى تحتل المرتبة السابعة فى قائمة السياح الأكثر زيارة لمصر بعد الروسية وكانت قد سجلت خلال العام الماضى 2013 نحو 380 ألف سائح.

وأضاف أن السياحة الأوكرانية الوافدة لمصر منخفضة نسبياً نتيجة تخوفهم مما يحدث فى طابا وغيرها من المناطق، فضلاً عن الأخبار التى تتناقلها وسائل الإعلام عن وجود قنابل فى محافظات مثل الجيزة وغيرها وجميعها أخبار تشعر السياح بالخوف وتوخى الحذر قبل المجىء، متمنياً أن يكون حادث طابا هو الأخير من نوعه، فالسياحة مهمة جدا للاقتصاد المصرى، خاصة أنها تدر العملة الصعبة مثل قناة السويس وغيرها من مصادر الدخل الأجنبى، فبعض الجماعات ترغب فى إشاعة الخوف بين السياح لإلحاق الضرر بالاقتصاد.

وتابع: إن المشروعات المشتركة مع وزارة الطيران تستهدف لزيادة عدد الرحلات «ذهابا وإيابا» نظراً لعدم وجود أى خطوط طيران مباشرة بين البلدين، وهذا يعتبر سيئاً جدا ليس فقط بالنسبة للسياحة ولكن لرجال الأعمال، قائلاً: «عندما تحدثنا للحكومة فى هذا الصدد قالت إن الجدوى الاقتصادية للمشروع ليست كبيرة، رغم أنه أثناء سفرى إلى أوكرانيا أضطر للذهاب إلى تركيا كترانزيت ثم إلى كييف، وأعانى من الازدحام على متن الطائرة دائما».

وأضاف كيرلينكو أنه كان هناك خط طيران مباشر بين القاهرة وكييف ولكن تم إيقافه واصفاً هذا القرار بأنه غبى، مشيراً إلى تواصله مع كل الوزارات للموافقة على هذا المشروع، ولكن ذلك لا يفيد نظراً لتباطئهم فى اتخاذ القرارات.

 ولفت إلى انخفاض حجم الأعمال المشتركة بين البلدين على المستوى الاقتصادى على الرغم من استمرار توافد البعثات الأوكرانية فى عامى 2010 و2012.

وأكد أن آخر زيارة لمسئول أوكرانى لمصر كانت فى عام 2010، فى حين أن آخر زيارة للرئيس المصرى كانت فى عام 1998 تلتها واحدة أخرى لعدد من المسئولين فى 2008، وقام الجانب الأوكرانى بتنظيم الكثير من الزيارات لمصر.

وقال: «دائماً ما أخبر الحكومة الأوكرانية بأن مصر دولة كبيرة لا يجب خسارتها حتى لو انخفض حجم الزيارات المشتركة بين الجانبين».

وعلى صعيد التبادل التجارى بين البلدين، قال إن أبرز المنتجات المصدرة لمصر تشمل القمح والذرة والزيوت الأوكرانية، فى حين أن مصر تأتى على رأس قائمة الدول المصدرة للبطاطس لأوكرانيا بجانب المنسوجات والمواد الكيماوية.

وكشف السفير الأوكرانى لدى القاهرة عن انخفاض حجم التجارة البينية بنسبة 6 % خلال العام الماضى 2013 ليصل إلى 2.81 مليار دولار مقارنة بالعام السابق، مشيراً إلى تقلص صادرات بلاده إلى السوق المصرية بنسبة 5.9 % لتصل إلى 2.79 مليار دولار، نتيجة الحظر الذى فرضته الحكومة السابقة فى مصر على استيراد القمح الأوكرانى.

وأضاف أن حصة مصر من إجمالى صادرات أوكرانيا وصلت إلى 4.3 % خلال العام الماضى، لافتاً إلى أن واردات أوكرانيا من مصر هبطت بنسبة 2.8 % لتصل إلى 130.4 مليون دولار، وهو ما يوضح أن الميزان التجارى لصالح أوكرانيا بقيمة 2.590 مليار دولار.

وقال إن مصر تأتى فى المرتبة الأولى فى إمداد السوق الأوكرانية بالبطاطس التى تمثل %47.4 من إجمالى واردات أوكرانيا من البطاطس بقيمة 2.39 مليون دولار، كما تحتل المركز الثانى فى توريد الليمون بـ84.4 مليون دولار بنسبة 18.2 % من إجمالى واردات أوكرانيا من الليمون.

وفى سياق مختلف لفت كيرلينكو إلى اقتناعه بالعمل فى القاهرة كمسئول عن تمثيل البعثة الدبلوماسية لبلاده فى القاهرة والخرطوم، على الرغم من الانتقادات التى تعرض لها عندما عرض عليه المنصب منذ عامين ونصف العام بسبب الأوضاع غير المستقرة، مبرراً ذلك بأنها تعتبر تجربة جيدة خاصةً أنها تعتبر الأولى له فى منطقة الشرق الأوسط، وقد عمل كيرلينكو كسفير فى عدد من البلدان الأجنبية منها بريطانيا و السويد و كندا و اليونان و الولايات المتحدة الأمريكية.

شارك الخبر مع أصدقائك