ناصر‮: ‬اغتيال الفكرة

شارك الخبر مع أصدقائك

ليلى حافظ

تزامن مرور 40 عاما علي وفاة الزعيم جمال عبدالناصر مع تردد مرة اخري فكرة اغتياله، وقيام الرئيس السابق، ونائبه في ذلك الوقت، انور السادات، بوضع السم له في فنجان القهوة.
 
وان كانت فكرة اغتيال عبدالناصر جسديا تبدو غير منطقية، خاصة انه كان مريضا، في الوقت الذي تركت فيه الاحداث الأخيرة بين الأردن والفلسطينيين جرحا عميقا تطلب من الرئيس المصري بذل جهد عصبي وجسدي ونفسي يمكن ان يكون اكبر من احتماله في ذلك الوقت، إلا انه يمكن القول بأنه تم بالفعل، وبشكل بطيء لكن مستمر ومنهجي ومدروس، او حتي اليوم، اغتيال الفكرة.
 
فأين نحن اليوم من كل أفكار ناصر التي نادي وعاش بها، سواء فيما يتعلق بالوطن المصري او الوطن العربي الأكبر، او تأثيرنا في العالم حولنا، وكأن قرارا قد صدر بوضع نهاية حتمية لكل رؤية من رؤاه، وقطع الخيوط التي تربطه بكل مصري وعربي كان يوما ما يري فيه زعيما ومحررا.
 
أين نحن الآن من فكرة تحرير مصر اقتصاديا، فتتوسع في أراضيها الزراعية لتطعم مواطنيها لكلا يحتاجون الي اللجوء الي الخارج، من اجل الحصول علي الطعام الذي هو اهم شيء لتحقيق استقلال الدولة، وتفتح المصانع المختلفة التي تحقق الانتاج الاساسي لأي دولة سواء الاستهلاكي او الصناعات الثقيلة، مثل الحديد والصلب والاسمنت والمعادن الخ.. التي من شأنها ان تحقق نموا وتقدما اقتصاديا في كل المجالات، فلا تحتاج البلاد الي استيراد احتياجاتها اليومية والحياتية، وتحقق استقلالها الحقيقي، وتفتح المدارس لكل الطبقات القادرة وغير القادرة ليخرج شعب متعلم، يستطيع ان يملك مصيره ويسيطر علي اقداره، ويخرج منه العلماء والفنانون والمفكرون الذين يقودون البلاد الي المزيد من التقدم والاستقلال الفكري.
 
أين نحن الآن من فكرة الوحدة العربية وتوحيد الجهود والرؤي، من اجل مواجهة العالم من موقف قوة لفرض إرادتنا، وليس من موقف ضعف، فحتي وان لم تنجح الوحدة العضوية فإن توحيد مشاعر وآمال الشعوب وحده من شأنه ان يذيب أي محاولات خارجية لاختراق إرادتنا والسيطرة علي مقدراتنا وفرض سياسات ليست في صالح او مصلحة الشعوب العربية.
 
لقد انتهت كل تلك الآمال التي عاش عبدالناصر من اجل تحقيقها، الواحدة بعد الأخري، بهدوء ولكن بكل دأب، فانتهت فكرة الاستقلال الداخلي بعد ان اصبحنا نعتمد علي الخارج في لقمة العيش وانهارت المؤسسة التعليمية، بل غزت المدارس الاجنبية عقول اطفالنا حتي لا يصبح لتلك البلاد أي مستقبل وطني حقيقي، وتفككت اواصر الوحدة العربية بعد ان تباعدت كل دولة عن الاخري، واعتبرت مصالحها الشخصية ترتبط بالخارج وليس بالاقليم، وفي الوقت نفسه، بدأت عملية تقسيم الدول داخليا، سواء من خلال الحرب مثلما حدث في العراق، وتتكرر المحاولات في لبنان والسودان والصومال، او من خلال بث الفرقة والكراهية بين ابناء الشعب الواحد، كما يحدث بين المسيحيين والمسلمين في كل البلاد مثل مصر ولبنان، او بين المسلمين بعضهم ببعض ما بين سنة وشيعة ووهابيين، فتتقسم البلاد مذهبيا قبل تقسيمها جغرافيا، وتنتهي والي الابد أي فكرة عن كيان عربي أو قومي واحد. ويطبق العالم الغربي علينا سياسة »فرق تسد«.
 

شارك الخبر مع أصدقائك