شريف عطية

مَنْ ضد مَنْ أو معه في عالم متغير

شارك الخبر مع أصدقائك

نقطة نظام

بقلم شريف عطية

من المتفق عليه إجماعاً أن المجتمع الدولى يشهد فى الثلاثين سنة الأخيرة.. صراعاً بين أطروحتين، صدام الحضارات والثقافات فى مواجهة التكامل الحضارى والبشرى، تفضيان بأقاليم العالم إلى عتبة غرق شامل يؤثر على مختلف جنبات الحضارة الإنسانية، بخاصة فى منطقة الشرق الأوسط، حيث مركز دائرتها البحر المتوسط- تحديداً- لما يمثله موقعه من ثقل النفوذ التقليدى للغرب، والأسطول السادس الأميركى.

وفيما تتباهى روسيا منذ 2015 بأنها عادت لتصبح حقيقة سياسية وعسكرية ثابتة فى شرق البحر، وتصارع إيران منذ 1981 – لا تزال- من أجل الحصول لميناء على شواطئه، فيما لبنان يعاني- لا يزال- منذ 1975، إلى سوريا التى لحقها التدمير منذ 2011، بالتزامن مع ما تشهده ليبيا- غرب البحر- من حرب رديئة أهلية، وتتأرجح تونس بين الحافة والهاوية، فيما تقبع تركيا عند الثقب الأسود شمال شرق البحر بانتظار أن يجيء إليها خصومها الرافضين لأحلامها فى إحياء دولة الخلافة، فرادى، ذلك باستثناء الإسكندرية- العاصمة الثانية لمصر- ومركز الانطلاق لقطعها البحرية ومشاة أساطيلها، حيث تسعى من موقعها الحاكم «الوصلة» إلى ضبط التوازن بين سياسات شرق وغرب البحر المتوسط التى تعانى التراجع والانحسار، ذلك فيما تتعرض الضفة الأوروبية للمتوسط لبعض الخلل، سواء فى الأزمة الوجودية فى اليونان، إلى بروز الشعبوية فى إيطاليا.

كما أصاب الأرق والاضطراب الجانب الفرنسى من المتوسط، وبحيث تودى مثل هذه الانعكاسات السلبية بالعالم العربى فى قلب الشرق الأوسط إلى أزمة عميقة تلقى بدورها حالة من اليأس التام للشعوب العربية- الإسلامية، ومن ثم على العالم أجمع..

وعلى كوكبنا البشرى «مسامى الحدود»، خصوصاً مع تجاوز تأثير هذه التطورات السلبية نطاقها الجغرافى الشرق أوسطي- ليمتد إلى ما هو أبعد من ذلك الذى يجرى اليوم على سطح الأحداث فى منطقتنا أو فيما وراء الكواليس، بحيث باتت من فرط تشابك تعقيداتها المتضاربة بين الشيء ونقيضه، عصية على أى تحليل منطقى أو تبين أولوياتها ومراميها، إذ تحرص غالبية المتنافسين الإقليميين من جانبهم لنيل دعم كل من الولايات المتحدة وروسيا معاً- على سبيل المثال- رغم تنافسهما من جانب آخر، لأسبابهما، ربما باستثناء إيران التى تناصبها الولايات المتحدة العداء.. لعدم الاعتراف لها بدور إقليمى يتميز عن إسرائيل الطامحة فى تسيد «الحقبة اليهودية» مقادير المنطقة، رغم أن احتكاكاتهما لتصيّد قصب السبق الإقليمي- خصماً من الآخرين- لا يحول دون الوشائج التاريخية والصمالح الآنية التى تربطهما، كما من الملاحظ أيضاً من جانب آخر دخول كل من البيت الأبيض والكرملين على خط الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب، ورهانهما على إنجاح رئيس الحكومة الحالي- لفترة خامسة، وإذ بينما تصانع واشنطن حكومة إسرائيل بإهدائها السيادة (غير القانونية) على الجولان السورية..

ومن قبلها مدينة القدس القديمة، فإن الكرملين يعلن من جانبه الاستعداد لمناقشة الخطة الإسرائيلية لـ«التسوية السورية»، ما يعنى رهان كل من ترامب- بوتين على إنجاح «نتنياهو» الرافض لـ«حل الدولتين»، ذلك فى الوقت الذى لا تخفى موسكو غضبها عن حصول إيران- رغم تحالفهما- لمجاورتها فى مياه البحر المتوسط (حق تشغيل ميناء اللاذقية)، كما تعمل روسيا من جانبها، وهى الضامنة لاتفاق «الجنوب السوري»، على وقف توغل قوات إيرانية ومن «حزب الله».. بالقرب من الجولان، ذلك فيما تدير تركيا- عضو حلف الناتو- مفاوضات ليست غير تفاضلية للحصول على نظم دفاع جوى متقدمة من كل من روسيا (s400) والولايات المتحدة (صواريخ باتريوت)، كما تحصل تركيا من روسيا على جواز مرور لقواتها شرق الفرات بينما تحذرها الولايات المتحدة من مغبة قيامها بعملية عسكرية أحادية شمال شرق سوريا ضد الأكراد السوريين، وليس آخراً لما إلى ذلك من خطوات تكتيكية واستراتيجية من الصعب التبيُّن من خلالها أين يقف الخصم من الصديق، ذلك من دون استثناء تزامن زيارة الرئيس المصرى إلى واشنطن مع قدوم وزير خارجية روسيا للقاهرة لتنفيذ تفاهمات السيسي- بوتين، ناهيك عن تحذير وزير الخارجية الأميركي- تركيا بالطرد خارج حلف الناتو، ومن «تداعيات مدمرة» إذا شنت عملية عسكرية شرق الفرات، علماً بأن الجيشين الأميركى والتركى يعتبران من أقوى جيوش الحلف، ذلك فيما تعلن روسيا فى سياق آخر أنها لم ترسل قواتها لسوريا لمحاربة إسرائيل، التى تواصل بدورها تقديم مقترحاتها للكرملين لمواصلة الضغط لإخراج إيران من سوريا، وبإخلاء قواتها فيما سمته «الضغط الجسدى المعتدل»، وما إلى ذلك مما يضع العالم العربى فى صورة متردية، فى بؤر كثيرة منه، سواء على الخط الممتد غرباً من إيران عبر العراق إلى لبنان شرق المتوسط أو الخط الممتد من شمال سيناء إلى حدود مصر الغربية المحتمل أن يصل إليها فلول «داعش» الهاربة من أرض الشام، ما يجعل من توقيت العملية العسكرية للجيش الوطنى الليبى ضد ميلشيات طرابلس، توقيتا استباقياً حاسماً، من المهم استكماله بحتمية تحرك الحكام والشعوب، وكذلك من خلال طبقة النخبة بشكل جمعى، بحسم وذكاء، ومن قبل أن تؤثر التوازنات الدولية والإقليمية التى تتشكل الآن بتوابعها السلبية، علينا بأسرع مما هو متخيل فى غضون عشرة أعوام أو أقل.. من المهم أن نتعرف فى ضوئها.. أين نقف ضد مَن أو مع مَن فى عالم متغير.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »