رجائى عطية

من همس المناجاة وحديث الخاطر (252)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

أفراد البشر أقارب وغير أقارب أصحاب وغير أصحاب، هم دائما أغيار فى الحقيقة والواقع، لكنهم لنسبية وكثافة العلاقات والروابط الاجتماعية التى يتحركون من خلالها لا يستطيعون العيش دون الوعى بالقرابة والصحبة فى مواجهة البعد والغربة، وهم يسندون كلا من هذين الوضعين إلى أسباب اعتنقوها وألفوها وصارت أعرافا وعقائد لديهم يصعب الآن تحويلهم عنها بعامة.. علمنا قليل قليل، وجهالتنا أكبر، بمـا ورثـه كـل منـا من أبويه وأجداده وفروعهما، لا يستطيع وعينا أن يتعلق أو يشعر بعلاقة وراثية تربطه بأى من أولئك الآباء أو الأجداد!!

الناس أكثر تتبعًا للمحظوظ، وأكثر اجتلاءً لأفعاله، وتتبعًا لعيوبه.. اليسير منها يفوح فيه، وصغير ذنبه يكبر منه، فيسرع إليه الذم!!

لا يعذب الله أحباءه بذنوبهم، فإنه تبارك وتعالى يوفقهم للتوبة أو لما يكفّرها من الطاعات والحسنات.

لا تزال المعاصى تحيط بالواقع فيها حتى تنسيه نفسه!

يقول تبارك وتعالى: «وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (الحشر19)

الخوف من الفراق، هو الذى يلهب الحب!

● ● ●

نحن لا نعى مباشرة إلا ما يجرى لكل منا، وهو فقط ما تنقله أعضاؤنا وحواسنا إلى وعينا مما نشعر أنه لازم لاغنى عنه أو ملائم أو مريح أو سار أو فاتر أو تافه، أو نحس أنه ثقيل أو يضايق أو يقلق أو يخيف أو يؤلم أو يخنق. هذا الوعى يقترن بمحاولة استكشاف أو تخمين أسباب ذلك، ثم محاولة تأييد الملائم والإكثار منه، وإزالة غير الملائم أو تخفيف آثاره وهذا وجه من وجوه النسبية التى تغشى حياة كل حى، والإنسان بالأخص راقياً أو بدائياً.

عيب الغِنَى أنه قد يورث بلادة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة!

بين النفس الأمارة والنفس المطمئنة، حرب لا تتوقف، على العاقل أن يوازن إزاءها بين لذة تغريه، وبين مرارة محاربة يعقبها انتصار على النفس.. وللنفس.

تشن النفس الأمارة، حربها على النفس المطمئنة، بجند الغفلة، وجنود الشهوات تزينها وتحسنها للقلوب والعيون! والعاقل من حارب الغفلة بالفطنة، ووأد الشهوات بالاعتصام بحبل الله وذكره. ولذكر الله أكبر.

من أقوال التسترى الإمام الصوفى: « أعمال البر كلها فى موازين الزهاد. وثواب زهدهم زيادة

لهم».

● ● ●

عالم البشر على ما فيه من غلواء وضوضاء وكثرة سخط ولغط، عالم مرن شديد المرونة، تعوّد نواقصه حتى قل التفاته إليها، وربما بدأ فى السنوات الأخيرة يتعود استغلال واستثمار فضائله ومهاراته فى التعرف العميق على ما تنطوى عليه البيئة الخارجية من مخبآت وقوى وطاقات هائلة يمكن بقدر من المثابرة مع الاجتهاد والصبر، أن تقضى نهائيا على وجود الفاقة والفقر بين البشر، فيبدأون تاريخاً جديداً كل الجدة لاتعرف صحائفه معنى الحاجة والمحتاجين!!

قالوا إن لمقام التقوى ثلاث مراتب:

مرتبـة العـوام، وهى التحرز عن المخالفات بتعرض الموافقات وتجنب الشبهات، والتطهر من السيئات بماء الحسنات.

ومرتبـة الخـواص، وهى المجانبة عن الشهوات بملازمة الرياضات وبمراقبة الخطرات، والاحتراز عن الوقفات بترقب المشاهدات.

ومرتبة أخص الخواص، وهى الإعراض عن موافقة الهوى ببذل الروح فى محبة الله، والخروج من حظوظ الدنيا برعاية حقوق المولى، والاتقاء بالله عز وجل عمّا سواه.

الذنوب والمعاصى سلاح يمد بها العاصى أعداءه ويعينهم بها على نفسه!

وقديما قال شاعر حكيم:

ما يبلغ الأعداء من جاهل ** ما يبلغ الجاهل من نفسه

من أحبه الله، أبلغه مقام المحبة.

الحياة لا تعطى إلاَّ لمن يعطيها.

شارك الخبر مع أصدقائك