رجائى عطية

من تراب الطريق(959)

شارك الخبر مع أصدقائك

ماذا تدرك العقول ؟ وماذا تعى ؟

(2)

ما أعطى لحياة البشر على هذه الأرض يفوق بمراحل ما أودع كافة الحيوان والنبات، ويتجاوز فى الترقى وليس فى القوة ـ ما رتب وقدر فى الطاقات والقوى غير الحية التى تعمل وتحرك وتضيق وتوسع وتظهر وتخفى وتجذب وتدفع وتوقد وتطفئ ما لا أول له ولا آخر فى الكون العظيم بأسره من المجرات والنجوم والأجرام والكواكب ومنها الأرض، وفى عناصرها ومركباتها وذراتها وإلكتروناتها وبروتوناتها ونيوتروناتها، وجامدها وسائلها وغازها.. كل ذلك تبعًا لنواميس وقوانين عليا لم يضعها البشر ولا يمكنهم وضعها.. ربما عرفوا بعضها فقط، ولم يعرفوا معظمها، وذلك كله فى حدود ما أعطوا فقط!!

والمعطى جل شأنه هو وحده الذى يمنح عطيته بحكمته وقدرته لهذا أو لذاك من مخلوقاته، بموازين لا يدركها البشر، قد تبرق أمامهم بعض دلائلها، ولكنهم هيهات أن يدركوها.. فكم من المخلوقين يضيق بخصلة فيه لو تأملها لعلم أنها توازن وتضبط موازين باقى خصاله وتؤمنه مما قد يؤذيه أو يربكه.. لم ولا ولن يقنع أهل الأرض بما أعطى لهم ـ إلاّ أقلهم.. لأنهم توهموا فأحبوا الطمع، وبات القريب المجدى لدى أغلبهم هو القريب لحواسهم وعواطفهم الحيوانية وشهواتهم، وظنوا أنه أولى بالحرص والأخذ والاستمتاع المتاح من انتظار البعيد وحسابه!!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (988)

وعالمنا الآن فيه ما لم يسبق من قبل ـ من الكثرة العددية الهائلة، والوفرة المادية الضخمة، خاصة لدى الجماعات المتقدمة.. وفيه السرعة غير المسبوقة فى الحركة والانتقال والاتصال.. وفيه عالمية التعليم بدرجاته وأنواعه، وعالمية الصناعة والتجارة والاقتصاد والزراعة العلمية بنواتجها الوافرة التى لم يشهدها البشر من قبل.. لكن معنا الآن فى عالمنا الحالى ما ملأه ويملؤه بين الأفراد والجماعات ـ من الشك والتوجس والغيرة والطمع والخداع والغل والكيد والاتهام والتشهير والتشنيع والخصام والعداء المستتر والظاهر.. هذا التناقض المفزع لكل عاقل بين تقدمنا الحالى المادى وبين تأخرنا المعنوى الأخلاقى الروحى ـ سيؤدى فى طريقه المندفع إلى تمزق البشرية إن لم نتيقـظ تمامًا للمخاطـر المحيطة المدمرة ونحاول منذ الآن تضييق فجوة هذا التناقض بكل قوانا، سواء على هذه الأرض، أو فى الفضاء الواسع الذى تحركنا منذ سنوات إلى الانتقال إليه بشىء من الاهتمام والاعتياد والانتظام!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(986)

فهل فينا الجادون المخلصون المدركون لفداحة أخطار هذا التمزق.. المتحمسون بكل ما فى طاقاتهم لمقاومته منفردين ومجتمعين بلا تأجيل أو استرخاء أو تهاون ؟.. إن التهاون ينطوى على يأس واستسلام للتمزق وعواقبه، بل وعلى ترحيب بالفناء الكلى نتيجة لفقد التصميم والعزيمة فى الجنس كله.. وربما كان ما نحن عليه الآن من التشاؤم واليأس مردودًا لانتشار الغرور والاغترار فى جميع الطبقات!.. فكل فرد ينظر أولاً وأخيرًا إلى ذاته ومن هم فى حكمها. حتى مع حرصه على صلاته التى يؤديها، وصدقته التى يعطيها.. لا يبالى بحقيقة ابتعاده المزعج عن خالقه الذى تصور أنه كفاه بصلاته وصدقته!!

ووضوح ابتعادنا عن الخالق عز وجل، خاصة فى البلاد المتحضرة من بداية القرن الثامن عشر، قد عَمَّ فى القرنين التاليين اللذين خلالهما ضمر الالتفات الجاد العاقل الناضج لِلُب الأديان حتى قارب الدين حد النسيان.. إذ لم يبق منه فى عيون كثير من الناس سوى بقية شكلية نمطية كسيحة كثيرة الكلام قليلة الجدوى والقدرة ـ لتخلفها البشع المفتعل ـ عن فهم حقيقة الحياة التى يعيشها الناس الآن !.. للأسف قد حل محل الدين فى كل اتجاه ـ نفوذ الحضارة الحالية باعتقاداتها ونظرياتها وأفكارها وآرائها المتوالية التبدل والتغير بنواتجها المتجددة المادية والفكرية، وما اختلط بها باستمرار من الأوهام والأباطيل والانحطاطات مما لم يسبق له من قبل مثيل.. هذا الخليط الغامر الذى أدى إلى تعقيد حياة الناس بالإسراف فى الخلط والمزج بين الانحراف والاعتدال والخداع والجد والباطل والحق حتى غلب الآن الأسوأ على الأقوم، والكذب على الصدق، واليأس العام الحالى على الآمال التى لم تتحقق!

اقرأ أيضا  افهم.. الصورة تطلع حلوة!

وقبل هذه القرون الثلاثة كان الملك أو الأمير ـ بمكانته عملا وفعلا، إله شعبه فى هذه الدنيا.. يُعبد عبادة رهبة وسطوة، بينما كانت الرعية تعبد فى السر، وأحيانا فى العلن، معبودها ـ جل شأنه ـ عبادة نجاة وغفران بإخلاص بقدر ما تستطيع.. أما الآن فقد تغير ذلك كله، إذ حَل المال والثراء محل الملوكية والإمارة، وتهافتت عليه الناس بلا تفريق بين العامة والخاصة.. ذلك التهافت الذى أنسى به العامة عبادة النجاة والغفران، ففقدت الأديان فى عصرنا معظم قوتها ونفوذها المؤثر فى حياة الشعوب!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »