رجائى عطية

من تراب الطريق(936)

شارك الخبر مع أصدقائك

المساواة وعمار الحياة

ليس مرد التطامن والمساواة فى الإسلام، فيما يلاحظ أستاذنا محمد عبد الله محمد، أن الإسلام يزهد فى الحياة على هذه الأرض أو يزدريها، فكيف يحتقر الإسلام الحياة وهى مرتقى المسلم وفرصته الثمينة لتنمية عقله وروحه، والاكتتاب برصيده فى الحياة الآخرة.

إن الامتحان الحقيقى للإنسان هو هنا.. على هذه الأرض.. فالدار الآخرة لا تكليف ولا اختيار فيها، لأنها خير محض، لا مجال فيها لتقارع بين الخير والشر، ولا لتوزع الإنسان أو موازناته للبحث عن خياراته أى طريق يسير فيه!!

فى هذه الأرض يصنع الإنسان موازينه، ويربى كفته، ويحدد مصيره فى الحياة الآخرة.. لذلك فالإسلام لا يحتقر ومحال أن يحتقر الحياة، ويخطئ من يظن أن الإسلام يعطى ظهره للحياة أو يحتقرها، فأولى وأهم غاياته هى عمارة الحياة.. وهذه «العمارة» هى حصاد ما يبذله الإنسان فى دنياه من السعى والجهد والاجتهاد.. ولا ينبغى للمسلم أن يهرب من الحياة، ففى ذلك تعطيل لسنن الله، بل عليه أن يعيشها بحماس ـ فى ظل الله، وأن يتمسك فى سعيه بالصورة الإسلامية التى تعلى القيم والمبادئ وتحوط بها الحياة وتثريها، وتحفز المسلم على الاستمساك بها، وعلى متابعة النور الذى يهديه إليه دينه..

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (942)

المسلم السوى الفاهم لا يحار أبداً ماذا يصنع بحياته ونواتجها.. ولا يعانى ما يعانيه الأشقياء المحصورون فى جمع المال والسلطة، ولا الواقعون فى هذه العدمية أو العبثية.. فهو يعرف لحياته معنى وغاية.. ويتعامل مع هذه الحياة بعمق وجد وإخلاص واجتهاد.

أما التسليم لله، فهو إيمان وليس انهزاما.. ولذلك فإن التسليم يَبْطُل ويفقد معناه فى نظر الإسلام إذا انطوى على تسليم لغير الله عز وجل… فمخافة الله، وهى فرع على الإيمان الخالص به، تزول إذا طوى المسلم جوانحه على خوف من مخلوق.. الخائف من المخلوق لا أمان ولا لإيمان له، والمؤمن الحق لا يعرف الجبن والاستكانة، والذى يخاف الموت يموت فى كل لحظة!!

لقد أعطت بعض العادات والاعتقادات مفاهيم مغلوطة ألصقت خطأً بالإسلام، وهى ليست من الإسلام.. فالولاء والتبعية والرضوخ والتقرب للأقوياء والباطشين من الفانين الهالكين، ليست من الإسلام، وإنما هى ضعف ووهن فى العقيدة.. كثيرا ما تفرض أحكاما وأعرافاً مبناها التساهل والإغضاء.. وهو ما لا يرضاه الإسلام ولا يقره..

اقرأ أيضا  تطوير المواهب وأهميته فى الوعى الجمعى

يجب أن يتنبه المسلمون إلى الاختلاف الأساسى بين «المساواة» فى نظر الإسلام، وبين معناها فى زماننا.. المساواة فى الإسلام معنى روحى ونفسى، له آثار سلوكية وخارجية تعبر عن تحسن الناس من داخلهم، أما «المساواة» فى زماننا، فهى معنى سياسى واجتماعى يتجسد للناس كمشاركات انتفاعية ومزايا وحقوق وإصلاحات عامة خارجية فى محيطهم.. ولأن الإصلاحات والمزايا العامة التى مصدرها الحكم، تُعزى ويروج لها على أنها أيادٍ وأمجادٍ للحكم أو لحزب أو لنظام، فإنه يخالطها فى كل عصر ويداخلها قدر من الدعاية يقل أو يكثر… وهذا التداخل بين الإصلاحات وبين الدعاية، صار يستوقف النظر فى زماننا، ويدعو للتأمل. فقد صارت الإصلاحات ضربا من المزايا المادية التى ترضى رغبات أو أطماع أو غرور الجماهير، وكلها وجوه للزهو واللهو والإثارة.. صارت المساواة تعنى الآن المساواة فى الخدمات العامة والمرافق العامة مع بسطها إلى أوسع مدى، وغاب المعنى الروحى الإنسانى للمساواة فى خضم هذه الصوالح والمنافع المادية، ولم يعد للمساواة معناها الأول، وجار ذلك على المساواة فى حق الحرية وحق المشاركة وغيرها من الحقوق المترتبة على هذا المعنى الأصيل للمساواة الذى أفل وابتعد وغاب !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (941)

لا يمكن للإنسان أن يعيش منعزلا عن الناس، ولكن لا يدرى أحد منذ متى بدأ الآدمى يتعالى ويزهو بأنه مخدوم يخدمه غيره.. فذلك شىء قديم يقال إن له نظيرًا عند أنواع أخرى من الحيوان يلحظها من يراقبون عالم الحيوان.. ومع ذلك يلاحظ أن الإنسان السوى فيه أنفة طبيعية تجعله يعاف الاحتياج إلى معونة الآخرين فى خاصة شأنه، ويبدو أن نقيض ذلك، سيما لدى الطفل، معزو إلى التلذذ والزهو بإذعان وخضوع الغير لمشيئته.. بيد أن المسلم السوى يستغنى بنفسه ـ عندما يتبع هدى نبيه ـ فى خدمة نفسه ببساطة بلا ضجة ولا استعراض.. وتراه بلا زهو، وأيا كان دخله قليلا أو فائضا، يسهم فى مساعدة غيره، ويقيم معهم فعلا ـ وببساطة وبلا ضجة أو استعراض ـ أواصر قائمة على المساواة، حين يرد الفائض من وقته وطاقته ودخله على محتاجين أو مستحقين.. يقدمه إليهم ويأخذونه منه بنفسٍ طيبة مع المحبة والأخوة فى الإسلام.

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »