رجائى عطية

من تراب الطريق(932)

شارك الخبر مع أصدقائك

الوحدة والمواساة فى الإسلام

لا تكتفى الدعوة إلى التقريب، التى حمل مشعلها أستاذنا محمد عبد الله محمد مع باقة من أفضل العلماء إخلاصًا وعلمًا.. لا تكتفى باتخاذ « الوحدة » بين المسلمين شعارًا، بل تسعى جهدها فى إبراز التفاصيل والمعالم التى تجسمها وتجمع الناس حولها بفهم يجعلها رجاءً حيًّا قريبًا يقتضى من كل مسلم أن يكتتب فى تحقيقه وإنجاحه .

ينبغى الالتفات إلى أن الإسلام ككل ـ وليس كفرق ومذاهب ـ يقابل ويواجه مبادئ كلية قوية التأثير والانتشار، لا يمكنه أن يدير لها ظهره أو أن يغفل عن أن التقريب بين المذاهب هو حركة الجذب القادرة على جذب التفات المسلمين وجمعهم على هدف الاعتزاز بالإسلام ككل والدفاع عنه ككل ..

ينبه محمد عبد الله محمد إلـى أن مواضع هذه المقابلة والمواجهة، هى من هذه الزاوية معالم طريق التقريب. اتصل بهذه المواجهة ما سبق ذكره عن نظرية الحقوق والحريات، وما يتعلق بالمال، وبالعلم والتعلم.. باعتبارها من الأسس التى لا يمكن لدعوة التقريب أن تتجاهلها.

وتمثل المساواة ركنا أساسيا من هذه الأركان، ينطلق السعى إليها دون تجاهل واقع اختلاف البشر فى المواهب والملكات والاستعدادات والقدرات، وهو اختلاف يزداد كلما اختلفت الظروف وامتدّ الزمن وتكاثر الناس.. ومـن مخاطر ذلك أن يختلـط بالميـل إلى « الاستعلاء » والشعور بالتفوق والرغبة فى الإعلان عنه !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(936)

ينتــج عن هذا الميـل ـ لا محالـة ! ـ قلّـة تعتبر نفسها من « الخاصة » أو « النخبة » أو« الصفوة » أو« العقلاء » أو« القادة ».. وما إلى ذلك من مظاهر التميز التى تتذرع بها هذه القلة أو الصفوة، وتستعلى على الكثرة الكاثرة التى تصنف ـ من باب الاستعلاء ـ فى عناوين «العوام» أو «الدهماء» أو «الجهلاء» وما إلى ذلك من نعوت تسبغ على هذه الكثرة !

وتطبيق هذا التقسيم يداخله ـ فضلا عن الاستعلاء ـ كثير من الغرور والوهم والادعاء والتساند من جانب القلة أو الصفوة، وغير قليل من الخوف والتخاذل والإنضغاط والتسليم من الجانب الآخر !. وهذا التقسيم لا يخلو أحيانًا كثيرة من تحكم أو افتراض فوارق، قـد لا تعبر عن فروق حقيقية فى المواهب أو الاستعدادات أو القدرات !

وطبيعى أن تنتظر هذه القلة ـ انقياد الكثرة وإذعانها ـ بحكم هذه الفوارق المفترضة ـ إلى ما تراه وتقدره وتنحو إليه هذه القلة أو الصفوة أو النخبة !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (934)

وبسبب افتراض البلادة فى الكثرة، لا تنقطع شكوى القلة من أن الكتل والعوام تشكل عبر التاريخ قشرة سميكة تشبه قشرة الأرض، تتناثر عليها وتتلوث وتتسرب فى جلامدها وأوحالها ورمالها وتتحطم كل المذاهب والمبادئ والقوانين والأنظمة والأفكار العالية وكل ما أنتجته العقول الفذة لهذه الصفوة !!

وفى ظل هذا الاستعلاء، واتهام الكثرة الكاثرة أن فيها عوامل التحلل والفناء وميادين الإهاجة ـ تزعم الصفوة المحتكرة للعقل والنضج، أنها الوحيدة القادرة على تعاطى المجهود العقلى وإنتاج ما يلزم للتقدم الفكرى والترقى الروحى، وتتصور باستعلائها أن من مسئوليتها تصحيح عمل الخالق جل وعلا !! وأن لوازم هذا التصحيح لخلقة هذه الكثرة الغبية الخاملة ـ أن تتسنم ظهرها، وتفعل من خلال ذلك ما تشاء !

ومع أن أحدًا لا يمكن أن يمارى فى أن مجال الكثرة الضعيفة ـ تربة تُعْزى إليها كثير من المشاكل التى تواجه الإنسانية، إلاّ أن التصدى لها ومحاولة استنباط الحلول لمعالجتها ـ كان ولا يزال ـ ينطلق ويتم فى وسط مشوب بالاستعلاء الذى يمارسه القادة والحكام والمشرعون والمفكرون والفلاسفة والعلماء .

اقرأ أيضا  «حزب الله».. من خير المقاومة إلى الغرور المستطير لأمد غير منظور

على أن ملاحظات أمثال هؤلاء على ظروف وأحوال كتلة أغلبية الناس، تأتى من على البعد البعيد، من مسافات زمانيّة أو مكانيّة أو ظرفيّة لا يمكن معها استخلاص كنه ما يصادف العامة أو تصور ما يناسب حل مشاكلها وما تعانيه !

إن ما تراه الصفوة حسنًا، لا يشترط بالضرورة أن يكون كذلك بالنسبة للكثرة الكاثرة.. وما تصفه هذه الصفوة من حلول، أو تخططه من خطوط ـ لا يمكن بحكم اختلاف الظروف أن يبقى على ذات قوامه أو استقامته الأولى عندما يدخل فى محيط الكتل الذى تتجاذبه قوى هائلة لا يحيط بعلمها إلاّ الله عز وجل.

إن المبادئ والتنظيمات البشرية لا تتفاضل إلاّ بمدى نجاحها مؤقتا ـ فى اجتذاب الكتل زمنًا ما، ولكنها تعود فتتعرض للالتواء والإجداب والانتكاس.. ويكشف ذلك عن وجود أفراد قليلين متميزين مهمين يركبون أكتاف كثيرين غير مهمين، متساندين إلـى نظام لم يعد ينتظم شيئًا، وإلى مبدأ لم يعد يصدقه أحد.. لا يرى الناس إلاّ ما يتجذر فيهم من استعلاء مقيت يسمم النفوس ويطرد منها الإخلاص والوفاء والقدرة على التساند والتكافل والمشاركة !!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »