رجائى عطية

من تراب الطريق(863)

شارك الخبر مع أصدقائك

على خلاف الشائع، فإن الخاصة قد لا تكون خاصة نتيجة امتياز أو بقدر جدها واجتهادها واقتدارها على العمل والإدراك، وإنما قد تتمايز بقدر أحلام التافهين من أفرادها وأذواقهم المفتعلة المتقلبة!.. قد تغرى هذه المظاهر بعض العامة بمحاكاتها فتزداد التفاهة انتفاخًا وفراغًا فى العقل والمضمون !.. مع زحف الماديات وتوارى المحبات ونضوب الفهم ـ اختلط الفريقان، ولم يعد بقدرة الفاحص أن يميز هذا من ذاك إلا نادرًا، ومع ذلك الخلط المتزايد المستمر بغير حدود بلا وازع ـ انفرط عقد النظام العام وهيبته فى كل الجماعات، وتعرضنا جميعًا لما نحن فيه اليوم من التخليط ومن الاضطرابات، بل لما يطرأ من وقت لآخر من الانفجارات التى لم تجد القادرين فعلا على وقفها وردها إلى العقل والسواء!

فنحن الآن كبشر طائفون بلا جذور ولا هدى حقيقى على سطح الأرض التى تهنا وغاب عنا خلال ماض طويل جدًّا ـ أنها مجرد ذرة فى هذا الكون العظيم، ولم نعد ندرى حقيقة حجمها ووزنها بالنسبة للكون، اللهم إلا لدى أقلية قليلة لا تأثير لها على الكثرة الغالبة.. إن أغلبيتنا الغالبة مازالت جاهلة لواقع دنياها ولمكانة الأرض التى هى عليها ولنوع الحياة التى يتجدد آدميوها باستمرار ولا يتكررون فيها، ولذا كانوا ومازالوا عرضة فى يد قدرهم لمزيد من اليقظة والإفاقة، أو لمزيد من الردة والغفلة والانحلال ثم الانتهاء!!

نحن أفرادًا أو جماعــات نتغير كل لحظة دون أن نشعر إلاّ بعد حصـول التغييـر بمسافات.. لأن « الأنا » فينا دائمة التعلق بتفردها بذاتها.. وهو فيما يبدو تغير ـ تمليه الأقدار ولا يُملى منا عليها ! الآدمى لا يعدو أن يكون قشرة فقط بالغة الضآلة داخل هذا المركب الهائل الذى إن صح فهم الآدمى لبعض ما فيه، إلاّ أنه فهم وقتى قاصر دائمًا لأن الآدمى نفسه مجرد ثمرة نبت زمانها!!

ومن قديم القديم من الزمان إلى اليوم، لم يلتفت عامة البشر وخاصتهم ـ فيما عدا أقل القليل ـ إلى غير أنفسهم.. لا يجاوز أحدهم هذه الدائرة إلاّ ليعود ويرتد إلى ذاته هو على ما يرجو ويحب لوثاقة ارتباطه بالأرض وحده دون غيره من الأحياء والأموات.. يرجو على الدوام رجاء المؤمنين الملتزم منهم وغير الملتزم والحفيظ على الفروض وغير الحفيظ.. لأنه يربى فى داخله الاعتقاد بأنهما ماداما يلوذان بنفس الملاذ فإن النهاية يجب فى نظره أن تكون واحدة تشمل الكل.. وهنا تبدو واضحة محاولة نقل أنانية البشر وتهافت الآدميين على إرضائها ما استطاعوا ـ من دنيانا المليئة باللذة والغم والراحة والإجهاد والغنى والفقر والشبع والجوع والحنان والقسوة والبناء والهدم والخير والشر ـ إلى الآخرة لكى نطهر بلايانا فيها.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »