رجائى عطية

من تراب الطريق(803)

شارك الخبر مع أصدقائك

مرتضى المراغى شاهدًا على حكم فاروق (12)

هنا يبدى مرتضى المراغى ملاحظةً يراها بالغة الأهمية: لماذا لم تفتح ثورة يوليو ملف تحقيق حريق القاهرة، ولم تحاول أى محاولة لذلك على كثرة الملفات التى فتحتها.. فظل هذا الملف سرًّا مغلقًا !

ويعود المراغى إلى السؤال الصعب، ساعيًا للإجابة عليه.. فيرى أنه من السذاجة والتجاوزات معًا تصور أن فاروق كان وراء سيناريو الأحداث الذى وقع منذ كان العدوان الإنجليزى على مبنى محافظة الإسماعيلية وقسم الشرطة هناك وهو الذى جرى يوم الجمعة 25 يناير 1952 وأحدث ردود الفعل العنيفة التى أحدثها.

من السذاجة والتجاوز تصور أن فاروق كان له دخل بهذا الحادث الذى بدأ بشكل فجائى عندما حاصرت القوات الإنجليزية فى مساء الخميس 24 يناير مبنى محافظة الإسماعيلية وقسم أو ثكنات بلوكات النظام التى كانت توجد خلف مبنى المحافظة. وعلى الطريقة الإنجليزية المعروفة فإن قائد القوات الإنجليزية واسمه الجنرال اكسهام وكان يتولى قيادة القوات البريطانية بمنطقة الإسماعيلية (حيث كان للإنجليز فى ذلك الوقت قوات وثكنات على امتداد طول القناة).. قام الجنرال اكسهام بتسليم إنذار إلى مسئول قوات الشرطة يطلب فيه أن تقوم قوات الشرطة بالإسماعيلية بتسليم أسلحتها إلى القوات البريطانية وأن تخرج هذه القوات بعد أن تسلم سلاحها وتغادر منطقة القناة وأنه فى حالة عدم تنفيذ أوامر القائد البريطانى فإن مدافع الدبابات التى كانت تحاصر مبنى المحافظة فى ذلك الوقت سوف تقوم بهدم المبنى ومقر الشرطة على من فيه.

كان الهدف الواضح من هذا التصرف الإنجليزى هو إهانة السيادة المصرية ممثلة فى شرطتها بعد أن نشطت عمليات الفدائيين التى كان يقوم بها المصريون ضد الإنجليز فى منطقة القناة، وكان يشارك فيها بعد الضباط المتخفين. وقد نشطت هذه العمليات بعد أن أعلن مصطفى النحاس باشا فى 8 أكتوبر إلغاء معاهدة 1936 التى كانت تسمح للإنجليز بحصر وجودهم فى منطقة القناة.

ألغى النحاس باشا هذه المعاهدة وكسب رأيًا شعبيًّا واسعًا أغاظ بالتأكيد الملك فاروق الذى كان يكره الوفد كراهية بالغة تعود إلى الأيام الأولى من توليه سلطاته كملك فى عام 1937. والتى على رغم سنه فى ذلك الوقت فإنه تعلم إقالة الوزارات، وكانت أول وزارة أقالهـا هى وزارة مصطفى النحاس !

على إثر تلقى قائد قوات الشرطة فى الإسماعيلية الإنذار البريطانى أجرى اتصالاً ـ فيما يضيف مرتضى المرغى ـ مع وزير الداخلية فؤاد سراج الدين الذى كان أمامه أحد خيارين إما أن يقبل استسلام قواته بكل ما يمثله ذلك من خزى، وإما أن يطلب إليها المقاومة وليكن ما يكون.

وللتاريخ، كانت الروح المعنوية لقوات الشرطة التى وجدت نفسها محاصرة بالدبابات عالية جدًّا.. وذهب قائدها اليوزباشى ( النقيب ) مصطفى رفعت يبلغ القائد الإنجليزى: إذا أردتم استسلامنا فلن تتسلموا منا غير الجثث !

وبكل الوقاحة والغطرسة البريطانية تم تنفيذ الإنذار.. وأطلقت مدافع الدبابات طلقاتها على مبنى المحافظة.. وبالبنادق المتواضعة التى كانت فى أيدى الجنود المصريين ردوا على الرشاشات والمدفعية البريطانية.

كانت معركة قمة فى البسالة من جانب المصريين، وقمة فى النذالة من جانب البريطانيين.. وقد ظل جنود الشرطة يقاومون ببنادقهم أكثر من ساعة ونصف ساعة سقط منهم خلالها 50 شهيدًا وجرح 80 ضابطًا وجنديًّا.

وإذا كان تاريخ الأمم لا يكتبه غير الأبطال الذى تهون عليهم أرواحهم فى لحظات الإمتحان الرهيبة التى يتعين على الوطن أن يواجهها، فلقد كتب أبطال الشرطة الذين صمدوا واستشهدوا وجرحوا صفحة من أعظم صفحات مصر، الأمر الذى أصبح فيما بعد وبحق عيدًا للشرطة يتم الاحتفال به فى 25 يناير من كل عام.

ويستبعد مرتضى المراغى أن يكون لفاروق دور فى هذا السيناريو.. والثابت أنه عندما عرفت مصر أنباء ما حدث صباح الجمعة 25 يناير، التهبت مشاعر المصريين كلها بالغضب، وكان جنود بلوك النظام فى العباسية هم فى مقدمة الذين حركتهم مشاعر الغضب تعاطفًا مع إخوانهم، وكانت مظاهراتهم التى تطورت إلى مشاهد الحريق المدمر.

وهكذا فإنه إذا كان لفاروق دور فى كل ما حدث فلقد بدأ هذا الدور فى أعقاب حوادث الإسماعيلية التى أراد استثمارها للقضاء على حكم الوفد الذى كانت شعبيته واضحة خصوصًا بعد إلغاء النحاس باشا معاهدة 36 فى أكتوبر 1951.

والسؤال الذى لابد منه هو: لماذا كانت هذه الكراهية الشديدة بين فاروق وبين الوفد تلك التى جعلته يخطط كما تشير ظواهر الأحداث وبواطنها إلى أنه كان نيرون هذه المدينة العظيمة الجميلة التى كانت فى وقتها من أجمل وأنظف مدن العالم ؟

ولكنها قصة فاروق ومصر

وبصرف النظر ـ فيما يرى المراغى ـ عن تطورات الأحداث بعد 23 يوليو 52 وخروج فاروق من مصر فلقد كان فاروق وسيبقى جزءًا من تاريخ مصر.

وقد حان الوقت، فيما أضاف مرتضى المراغى فى شهادته ـ الذى يمكن فيه كتابة قصة فاروق التى كان شاهدًا على كثير من فصولها، بلا عُقد ولا حساسيات.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »