رجائى عطية

من تراب الطريق(779)

شارك الخبر مع أصدقائك

نعمة العقل

ادخار العقل لدى الآدمى، واعتماده الرئيسى عليه، واحتفاله الدائم به ــ أنعم النعم التى مَنّ الله تعالى عليه بها . هو منه وله دائمًا إلى أن يفارق العقل أو يفارق الحياة الدنيا.

ادخار العقل بخلاف ادخار المال الذى يولد شهوة تتفتح ولا تنتهى عادة إلاَّ بانتهاء العمر . يكمن الفارق فى أن غريزة جمع وادخار المال إثارة من خارج الآدمى إلى داخله، مصدرها الاشتهاء الوقتى الذى يثبته التكرار ويزيد هواه فى النفس بقرب تحقيق المراد وحصول المشتهى من الخارج دائمًا أو غالبًا، فيزاحم ويتزاحم عليه البشر من أول الدهر، ولا يزالون أسرى هذه الشهوة والتزاحم على مرادها إلى اليوم والغد!

ويبدو أن أصل شهواتنا بعامة، وخاصة شهوة اقتناء المال والإكثار منه بخاصة وبكل حيلة ووسيلة ــ مرجعها فى الأصل إلى قصور الصغار وهوى الغلمان والمراهقين واندفاع الشبان وتمسك الرجال والكهول بالمكاسب وانتظارها والأمل فى حدوثها .. يشترك هؤلاء جميعًا على اختلاف الدوافع ــ فى أنهم يتعلقون بالشهوات ومنها شهوة المال ــ بدون تدقيق أو تمييز بين ما هو حق وصحيح، وما هو باطل وفاسد أو مفسد!

لكن علينا ألاّ ننسى قط، أن أفكارنا لا يلازمها حتمًا تحويلها فى رأس كل منا إلى فعل أو إلى نجاح أو فلاح أو تقدم . فأفكارنا ليست آلية، ولا تتضمن بذاتها تجربة تمت وتحققت، كما لا تتضمن قوة دافعةً من القوى الطبيعية تسوق وتدفع فعلاً . فكل منا ما عاش أو يعيش أو سيعيش ــ إنما ينفذ فى أول فرصة تمكنه ــ حركة بسيطة وربما تلقائيًا، انصياعًا للمقادير التى ينتظرها . لا أحد منا يعرف أو يمكن أن يعرف متى سوف يرفع يده أو يخفضها، أو متى سيفتح عينه أو يغمضها، أو متى سيقوم أو يقعد؟ .. وعقلنا مرشد فقط، وسيظل مرشدًا متى أردنا استعماله بيقين وعزم وإرادة ماضية لا تختل!

وأفكار كل آدمى لا يصاحبها قط تحول الفكرة حالاً وتوًّا وحتمًا إلى فعل . الأفكار ليست آليات ولا قرارات، وليست تجارب مورست وجربت وتمت وتحققت، وليست قوة من قوى الكون لأحداث وقوى!

وتحرك الآدمى ليس تحرك فكره، فمعظم حركات وسكنات الآدمى بسائط وربما تلقائية تحكمها مقادير وآليات داخلية وخارجية لا ندريها . إذ عقل الآدمى مرشد فقط لمن يرشد، وخادم محكوم بالعواطف والأهواء والأحقاد والكبرياء . هذه حال أغلبية الآدميين فى كل زمان ومكان .. من يسعى أو يهتم منهم بتنمية عقله باستمرار، تراه يعطيه حقه من الاهتمام والاحترام والتقدير. يدخره ويزيده ويرشد به نفسه ويفىء برشده على من يلجأ إليه طالبًا الرشد أو الفهم أو الهداية!

ادخار العقل زاد هائل لا ينفد، هو زاد من يريد الرشد لا المال. إذ المال محض تراكم مادى ولون كاسح من ألوان الهوى والأنانية .. شهوة المال هى شهوة استحواذ لأشياء منقولة أو ثابتة اصطلح البشر على اتخاذ النقود وعاء لقيمتها !

صارت النقود، ورقية أو معدنية، وعاءً لحقوق وملكيات، وحلّت فى نظر الناس والمعاملات محل هذه الحقوق والملكيات، وصارت فى نظر الكبير والصغير هى جسرهم إلى المطالب والأهواء والأغراض والمنافع .. مادية أو غير مادية .. يحرص معظم الخلق عليها .. يدخرونها ويخزنونها أو يودعونها، أو يجازفون بالمضاربة بها أو عليها .. هى لب المراد الذى يدفع البعض إلى التحوصل فى انتزاعها خفية أو حيلة أو عنوة أو تسلطًا وتحكمًا .. ينهش البعض فى البعض ترجيًا لها وطمعًا فيها وجشعًا إليها!

فى كل بقاع الأرض، تجد المال بأشكاله وأنواعه عرضة للأخذ والعطاء، ومحلاًّ للخيانة والأمانة، والكذب والصدق .. يسود ذلك لدى عامة البشر الذين غلا أكثرهم فى الاندفاع نحو المال والفوز به والإكثار منه والانكفاء عليه!

وكل الآدميين فى كل زمان ومكان، طالت حياة كل منهم أو قصرت، لا ينسى ماضيه كل النسيان قط! مرد ذلك أن « الأنا » تصاحب كل آدمى من الميلاد إلى النهاية .. هى فى صحبته من أولاه إلى أخراه ومعها ما يبقـى لديهـا مـن مشاهد وصور ومراءٍ وعادات وممارسات، مهما تماحت أو بهتت، فإنها لا تنطمر أو تحذف من صفحة الوعى والذاكرة كلية .. لذلك لا ينقطع الآدمى انقطاعًا تامًا عن هذه العادة أو تلك، وتبقى معه لوازم منها مهما تطور وتغير.. ومهما زاد علمه ونمت معارفه وتغيرت أوضاعه!

والآدميون منذ ماضيهم البعيد، وإلى اليوم، تغلب السطحية والمجازفة والنصيب على أفرادهم وجماعاتهم .. يتعرضون بكثرة زادت فى زماننا مرات ومرات ـــ لمكابدة المكر والكذب والقوة والاستبداد . لذلك باءت كثير من أعمالهم وفوراتهم وثوراتهم بالفشل أو الإخفاق أو الخسران!

ما اعتاد كثير من الخلق تسميته « بالمعرفة »، ليس إلاّ معرفة غامضة مبهمة قليلة النفع، لذلك فإن تصرفاتنا عادة ليست نتيجة إدراك وحكمة . فالآدمى إلى اليوم، لا يتحكم فى السيطرة التامة الشاملة على ذاته وجسده وهواه ومخاوفه . دور العقل ثانوى فى العادة لدى أغلب الخلق .. لا يزيد كثيرًا عن الاستسلام لأجهزة بنية الآدمى التى لا يقودها بل لا يعرفها حقيقة ولا يحيط إحاطة تامة أو فاهمة بتردداتها بين الموافقة والارتياح وبين العجز والتمرد والسخط!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »