رجائى عطية

من تراب الطريق

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

لا يكف الآدمي عن التفكير في غده ومستقبله، ماذا ينتظره أو ماذا يخبيء له، أو ماذا يرجوه فيه أو منه.. والتفكير في المستقبل والتبصر له قديم جداً كدافع فردي ربما نراه وراء إنشاء الأسرة واستئناس الحيوان وتربيته، واختيار الموطن، وممارسة الزراعة والدفاع عن الحيازة والملكية.
 
أما تفكير الناس في مستقبل الجماعة كجماعة، والتفطن المستمر إلي أهمية مستقبل الجماعة وأثره وانعكاسه علي مستقبل الفرد ـ فشيء حديث نسبيا لم يصبح عادة شائعة أو خلقاً أو سلوكاً معتاداً أو سمةً متبعة في تربية الأفراد وتعليمهم.. ولم يحصل بعد علي اعتراف المجتمع بقيمته كفضيلة أو مزية خاصة ترفع من شأن صاحبها في البيئة والمحيط، ولا يزال هذا التفكير مبهماً غير حاضر بوضوح، أو قل إنه محمول علي معني المصلحة العامة أو علي معني الوطنية.
 
لم يع الناس بعد، وعيا كافيا، واقع وطابع حياتهم “الفردية” في هذا العصر، وأن حياتهم عملاً ـ لم تعد “فردية” بالمعني الذي كان لها في العصور الماضية.. لأنها صارت في عصرنا تعتمد اعتمادا كليا حتي في الماء والهواء ـ علي نوع وكفاية حياتهم المشتركة كجماعة تعيش في بيئة.. وهذا الاعتماد الشامل لن يتناقض بل سيزداد بازدياد اعتماد الجماعات والبيئات علي بعضها البعض في مئات الحاجات والأغراض.
 
فكل تفكير من جانب الفرد في مستقبل نفسه ومن هم في حكم نفسه ـ يجب في هذا العصر ـ أن يبدأ من التفكير في مستقبل الجماعة والبيئة اللتين يعيش الفرد فيهما.. فهو مهما اشتد عوده، أو قويت إرادته وإمكانياته، أو تنوعت أساليبه ووسائله ـ جزء من هذه الجماعة وبيئتها، يتأثر بها ـ وقد يؤثر فيها ـ شاء أم لم يشأ، وهي لابد منعكسة بإيجابياتها وسلبياتها ونجاحاتها وعثراتها عليه.. هذا الواقع يفرض أن لا يجتزيء الفرد نفسه أو تفكيره من الجماعة أو المحيط، وهذه الغاية تستلزم أن يتابع مسار الجماعة وأن يحصل علي المعلومات الكافية والانضباط الكافي في الجماعة والبيئة.
 
    لم يعد في مقدور أحد ان ينفرد بذاته مهما قويت ومهما بلغت ثقته فيها، ولم يعد في وسع أحد أن يعود بحياته إلي طابع الفردية الذي كان موجوداً في العصور الماضية، إلاّ أن يكون بقية شاردة من بقايا جماعة في طريقها إلي الانقراض تعيش في صحراء أو غابة إستوائية مقطوعة الصلات بالعالم المعاصر.. لا يفكر فيها العالم ولا يعني بها لأنه لا يجد مصلحة له عندها تستدعي اهتمامه أو تشد انتباهه.. لذلك فوجودها موقوت محدود بمقدار المدة التي يسمح بها إهمال العالم لها وعدم إلتفاته إليها.
 
والدول قريبة بشكل ما من مصير هذه الجماعات إذا خرجت عن دائرة العصر وعاشت معزولة في الماضي عن الواقع المحيط، فيتآكل تأثيرها والتأثير فيها، وتبيت معزولة عن العالم إنعزالاً ضريراً كشأن الياباني الذي ظهر في إحدي الغابات بعد أكثر من عشرين عاما من نهاية الحرب العالمية الثانية، لا يعرف شيئا في عزلته عن العالم مما جري وكان في هذه الأعوام الطوال، وعلي إعتقاده الذي نام عليه ـ يوم العزل ـ في الإمبراطور الذي كان علي رأس الدولة وفرضت عليه قنبلتا هيروشيما ونجازاكي أن يرفع راية التسليم بلا قيد ولا شرط!
 
لا حياة لمن ينعزل عن واقع الحياة، وحركة التاريخ.. الحياة في صيرورة دائمة، يخسر ويتخلف من لا يمتطي جوادها ويسير بصيراً متفطناً في موكبها الذي لا يكف عن الحركة!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »