رجائى عطية

من تراب الطريق (994)

شارك الخبر مع أصدقائك

رشاد العقل بين سلطان الذات وقبضة الأرض ونواميس الحياة

(2)

يبدو أن أغلب الناس قد زهدوا إلى حد بعيد من السماع والقراءة والرؤية والترديد والتحليل والتعليق والتفسير والتركيب والتمجيد والإعادة والزيادة والنقل والجدل والمناقشة والمداولة والاجتماع.. زهد معظم الناس فى أيامنا فى الخير والشر معًا.. إذ لم يَعُدْ للحياة لدى معظمنا طعـم عميـق ناشـب طاغ لا يمل ولا يضيع.. اللهم إلاّ لدى القلة القليلة كما كانت الحال من قبل.

هل يفيق الناس من هذا السأم اليائس الذى فقد الهمة فقده لإيمانه وأمله بشىء كان فى الماضى يعيش به ومن أجله؟! وهل يهتز الناس قبل النهاية ــ على جديد يلهب حماستهم الجادة التى أخمدتها هذه الأيام بهذه الألاعيب والأفاعيل والأضاليل ؟!.. فيأسنا الآن يبدو أشد خطرًا بكثير من مرات اليأس الماضية لأن المهلكات الهائلة للفتك والتخريب التى باتت الآن مدمرة مهلكة بغير أى تمييز ـــ قد بلغت حدودًا غير مسبوقة من الإهلاك ـــ دون ما علة حقيقية أو داع مفهوم، وصار من المتعذر إن لم يكن من المستحيل منعها أو تحاشى ما تجره على الأفراد والمجموع من ويلات!

اقرأ أيضا  نقطة نظام.. تركيا «السيريالية».. من العثمانية إلى الجمهورية.. وبالعكس

وبقاء التمسك الشديد جدًّا بتقديس القرآن الكريم والحرص على وجوده فى دار كل مسلم ـــ عربيا كان أو غير عربى ـــ وأحيانا كثيرة فى جيبه أو فى عربته أو مكان عمله ـــ يرجع فيما يبدو للوضوح الهائل فى عقلانية القرآن التى لا مثيل لها فى أى ملة أو ديانة، ولكن التقديس البشرى الدينى للعقلانية ـــ لا يكفى حتى الآن لاقتلاع سلطان «الأنا» لدى البشر مسلمين أو غير مسلمين، ولا الحد من أنانية الآدمى فى دنياه التى لا يتركها اختيارًا.. لأن أمل كل آدمى فى التوبة إلى الله ـــ لا ينقطع إلى أن يفارق الحياة!.. والتوبة عودة ماحية لما سبقها من ذنوب وآثام، لكنها عسيرة الصدق على الذى اعتاد الاعتزاز « بالأنا » والانحياز المستمر للأنانية. فلم تنجح الأديان للآن فى إصلاح أتباعهـا وتخليصهم من سطوة الأنا أو غلوائها.. وقد قوّى سلطان «الأنا» إلى هذا الحد ـــ انحصار البشر منذ أن يولدوا إلى أن يذهبوا ــ.

فى قبضة هذه الأرض وشواغل أعبائهم ونصبهم فيها!.. فما الذى ينتظر الإنسان إن انطلق بإرادة الله عز وجل وإذنه إلى الفضاء الواسع الذى لا يحد والاتصال المتين القوى بالكون العظيم بما فيه من عوالم هائلة لم يحط الإنسان بها علمًا ؟!.. هل يغير ذلك واقع كل آدمى ويضعه فى مكانه المعقول السليم فلا يتجاوز قط حماية روحه وتقدير « أناه » واحترام عقله، ويعيننا من ثم على مفارقة دوافعنا ومآربنا المغرضة أو الجشعة أو الفارغة أو الحمقاء التى شغلتنا عن جوهر ومعنى الحياة!

اقرأ أيضا  الذكاء الإنسانى.. الاستعداد والحصاد (4)

لا يكف البشر قط عن التحرك إلى أى جهة تدفعها نفس كل منا إليها، ويندر جدًّا أن يتوقف هذا أو ذاك ـــ رغم إحساسه بذلك الدفع ـــ ليتحقق ويتأكد إلى أين يتجـه. لأن السطحية برغم تقدمنا وتطورنـا لاتزال غالبة لدى أغلبنا مع انفراد نوعنا على الأرض وعدم وجود من نشعر أنه ينافسنا من الأحياء الأخرى عليها.. أما المنافسة بين البشر بعضهم وبعض فإنها مهما اشتدت وبلغت حد العراك والقتال والقتل ـــ فإنها لم تتجه قط إلى منافسة الجنس البشرى ذاته ومغالبته.. فما يحتاج إليه الجنس البشرى الآن بل منذ سنين ولا يعرف كيف يصل إليه ويحدده ويتسابق معه ـــ هو الجنس أو الأجناس الأخرى القادرة على المنافسة الجادة الخالية من كل غش ومكر وخداع!!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1045) الذكاء الإنسانى : الاستعداد والحصاد! (2)

وقد أقمنا على كل ما معنا من الحركات والسكنات ــ لأننا دون أن ننتبه ــ اعتدنا كل ما تصورنا وجوده فى الكون.. اعتدنا جميع ما سميناه ظواهر الطبيعة ـ كالنور والظلمة والنهار والليل والشتاء والصيف والخصوبة والجدب واليقظة والنوم ومواعيد أكلنا وأشغالنا وأعمالنا وفرص الراحة والسياحة والرياضة والتسلية واللعب، وعرفنا مواسم المراهقة والبلوغ والزواج والشباب والرجولة وزمان الكهولة والشيخوخة، وبنينا على ذلك ما بنيناه بغير انتباه ــ وأحيانا بانتباه ــ من العلاقات والروابط.. كما خلقنا الأنانيات والخصومات والعداوات.. وهذه كلها ردود أفعال لا إرادية وإرادية بشرية على ما لا حَدّ له من العناصر والمركبات والطاقات والقوى العاملة الفعالة فى هذه الأرض التى اتصل الإنسان ببعضها أواتصل بعضها به.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »