رجائى عطية

من تراب الطريق (991)

شارك الخبر مع أصدقائك

علمنا النسبى فى رحاب العلم اللدنى (4)

لا يوجد أى تعاصر ومسايرة بين تطور أفكار الآدميين ونمو خبراتهم العملية الحسية، وبين معتقداتهم الروحية والأخلاقية المتعلقة بالدين والقيم والمبادئ.. ومع هذا فكل آدمى يستعمل إشارات ورموز نفس اللغة وأساليبها واشتقاقاتها فى التعبير عن تلك الأفكار، كما يستعمل هذه الرموز والإشارات فى التعبير عن تلك المعتقدات مع احتمال اختلاف المقاصد والأغراض والمعانى.. ويبدو أنه لا حيلة للآدمى فى تجنب هذا- لأن اللغة ألفاظ وعبارات وتراكيب لا يمكن أن تعبر إلاّ عن أمور متعلقة فى النهاية بالذات ووعيها- لدى المتكلم أو المخاطب أو الغائب، ولا تعبر قط عن الطبيعة أو الكون أو العالم أو عن عالم الأحياء من حيوان ونبات.. إذ ليس لهذه الكائنات على كثرتها أو ضخامتها أو ضآلتها أو ظهورها لنا أو خفائها عنا ـ ليس لها لغات يفهمها الآدميون حتى يمكن ترجمتها بأى نوع من أنواع الترجمة إلى لغة آدمية فى متنـاول البشر !

اقرأ أيضا  نقطة نظام.. تركيا «السيريالية».. من العثمانية إلى الجمهورية.. وبالعكس

هذا الانفراد فيه ضرب من العزلة والتوحد.. يبدو أنه جعل الآدميين يعتقدون من قديم الزمن- أن العالم كله لم يخلق إلا من أجلهم.. خلق لهم ليستخدموه ويديروه وينتفعوا به ويحكموه ويزيد كل منهم فى عماره بما يملكه أو يتاح له من العقل والعدل والإنصاف.. يشملهم ويحوطهم الاعتقاد بأنهم وإن كانوا فانين فى هذه الدنيا مثل سواهـم من الأحياء، إلا أنهم مبعوثون محاسبون بعد ذلك وسيخلدون إلى الأبد فى النعيم أو فى العذاب حسبما قدمت أيديهم وقلوبهم للآخرين ولأنفسهم فى هذا العالم.. وقد بان لهم الآن أن الكون أكبر بكثير جدًّا مما تصوروا واعتقدوا، وأنهم هم ونوعهم مع ما تجلى ويتجلى تباعًا من عظمة الكون اللاّ متناهى ـ أقل أهمية وخطرًا مما خالوا، ولكنهم لم يتمكنوا بعد من تغيير فكرتهم المتضخمة المغرورة عن أنفسهم، وربما كانوا بحالتهم غير قادرين على ذلك، وهذا فيما يبدو واحد من الأخطار التى تهدد مستقبل النوع البشرى!

اقرأ أيضا  معضلة تنظيم النسل!

نحن الآن نعرف عن الكون أضعاف أضعاف أضعاف ما كان يعرف آباؤنا وآباؤهم، ونعرف ما لم نكن نعرفه لا نحن ولا من سبقونا من قبل- من نواميسه ونظمه وأبعاده وطاقاته- معرفةً لا تزال مع دقتها معرفة بشرية محدودة بحدود ما استطاعته قوانا ووسائلنا وأدواتنا !!، فهذا الكون الهائل مازال على صمته معنا.. لم يبدُ منه بأى طريق اعتراف بمزايا الآدمى وخبراته، أو حرص على بقاء تلك المزايا واستمرار ما حازه من خبرات !

ثم إن الآدميين عاشوا دهرهم ويعيشون أيامهم مثقلين- دون استثناء- بمزيج متداخل مختلط فى وعيهم ومخيلتهم وذاكرتهم ـ من التصورات والأفكار المصدقات والمعتقدات.. لديهم فيه أكوام متراكمة من الصحيح والباطل والصادق والكاذب والواقع والخيال المتوهم، لم يصف لأى منهم قط أى عنصر من عناصر ذلك المزيج أو الخليط وإن اختلفت فيه نسبة المزج والخلط من وقت لآخر باختلاف الأوقات والأمكنة والعصور والأجناس والبيئات والوراثات والظروف والأحوال.. وهم مثقلون بذلك من لحظة أن يولدوا إلى أن يفارقوا الحياة !.. لا فرق فى ذلك بين المتحضر والبدائى، والعالم والجاهل، والذكى والغبى، والكبير والصغير، والذكر والأنثى.

اقرأ أيضا  واجبات إنسانية لنظام دولى مرتقب

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »