رجائى عطية

من تراب الطريق (985)

شارك الخبر مع أصدقائك

الإنسان والدول بين الأصل والطبيعة والأحوال! (1)

هذا الخاطر من وحى ما شاهدته وعاينته وناظرته وتأملته فى مكونات وأخلاق الآخذين بالثأر، فى صعيدنا المصرى، وفى غير الصعيد، بل فيما أتيح لى معالجته بخارج مصر. كثيرون إن لم يكن معظم الآخذين بالثأر، ناس كالناس، أخلاقهم كأخلاق الناس، وقيمهم كقيم الناس، ومساراتهم فى الحياة كمسارات الناس.. منهم الخلوق حتى يقارب بسماته ما طبعت عليه الملائكة، ومنهم الوديع كالحمامة أو اليمامة، ومع ذلك تركبه «حالة» فى لحظة يغيب فيها العقل، وتطغى فيها نوازع ومحركات ودوافع وغضبات وانغلاقات واندفاعات لا تلوى على شىء، ولا تستلهم أو ترعوى بشىء مما يستقر أصيلا كامنا فى أعماق الشخصية. القاتل ثأرًا تتلبسه «حالة» تخرج به لحظتها عن عادى وطبيعة أمره، وتدفعه دفعًا قد يكون غير واع إلى ما لا يقبله طبعه وعقله. شدنى تأمل هذه الصورة إلى تأمل نماذج غربية لدول سياساتها استعمارية، ومع ذلك نجد «الإنسانية» غالبة على ذات الفرد فى عمله أو فى حياته العادية.. شاهدت هذا ولامسته ملامسة حية فى جراحة القلب التى أجريتها بهيوستن فى الولايات المتحدة الأمريكية فى يوليو 1990. أفقت من التخدير لأجد نفسى بالعناية المركزة بلا قريب كما اعتدنا أو رفيق، ولكنى بين الصحو والمنام أخذت أتابع شابين أمريكيين صرفين، لا يكلان لحظة عن السهر علىّ، وعن متابعة الأجهزة المركبة، وضبطها ثانية بثانية. أحسست فى غيبوبتى المتيقظة أننى بين أيدى مَلَكَين حقيقيين، ترفرف عليهما وعلىّ وعلى غرفة العناية المركزة روح ملائكية لا علاقة لها بالصلف أو بغطرسة وشطحات وازدواجية السياسة الأمريكية التى أعيت صديقهم قبل عدوهم. لمست هذا فى إنسانية وحضارة معاملة الفرنسى والإنجليزى، لا أثر فيها للعقيدة الإمبراطورية السالفة، ولا للاحتلال الذى عم الدنيا. تعجبت، كيف تتغير «ذات» هذا الإنسان حين يعبر عن سياسة ومآرب دولته، ما الذى يجعل الفرنسى ابن بلد النور والحرية يرتكب أفظع الجرائم فى البلدان المحتلة، ومثله الإنجليزى. ما الذى يدفع «ذات» الأمريكى الإنسان إلى تلبس ما يتلبسه فى أفغانستان والعراق وفى سجن بو غريب ومعتقلات جوانتانامو.. ما الذى يحول دولة نهضت حضارتها على الحرية والديمقراطية إلى مفارقتهما مفارقة تامة فى سياستها الاستعمارية كولونيالية أو إمبريالية، وكيف يتحقق هذا الانفصام فيصدر «الشخص» وتصدر«الدولة» فى هذه «الحالة» أو تلك على ما لا يتفق مع مجمل «القيم» التى تعتنقها كمجتمع ويلتزمها أفراده فى حيواتهم العادية. استحَضَرت هذه التساؤلات إجابة شافية وجدتها واضحة كفلق الصبح فى أحاديث مروية عن رسول القرآن عليه السلام، تبين أن المسلم إن كان لا يسرق ولا يزنى وهو مسلم. لماذا ؟ لأنه حين سرق أو ارتكب الزنى أو هذه أو تلك من الموبقات، لم يكن بخلق وخصال المسلم، وإنما متلبسا «حالة» انتزعته من الإسلام وقيمه وخصاله وشمائله وسجاياه. فهو لم يكن مسلما فى الواقع والحقيقة حين تلبسته «الحالة» التى بها ارتكب ما ارتكب وسرق أو اختلس أو زنى أو قتل !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1027)

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »