رجائى عطية

من تراب الطريق (978)

شارك الخبر مع أصدقائك

ملكة الوعى والالتفات وسط زخم الحياة (1)

يبدو أنه مع انصراف الناس للمظاهر والأفعال، والتصرفات والأشكال، والوقائع والمؤثرات، والمصالح والأغراض، والأهواء والمآرب ـ انصرف الناس إلى ذلك كله عن التأمل فى داخلهم.. لا يكاد يوجد بينهم اليوم من يتأمل داخله إلاّ فى نادر النادر!.. نسى البشر داخلهم صغارًا وكبارًا.. ابتعد ذلك الداخل ولم يعد يمكن أن يراه صاحبه.. واختفى فى نظر الغالبية إلى غير رجعة.. صار عموم البشر أسرى عيونهم وحواسهم الدائمة الالتفات إلى غير ذلك الداخل.. منشغلين بالمحيط الخارجى أو بما نعبر عنه بالدنيا الواسعة.

هذه الدنيا التى يحاول كل منا الاتصال بها فى نصيب من عمره قبل أن يختفى.. للأسف المؤسف تعود معظم الناس على عدم المبالاة بقيم الإيمان أو الذمة أو الضمير أو الحق أو الخيـر أو الرحمة!.. فهذه كلها كانت فيما مضى وانقضى وضمر الإحساس الحقيقى بها فى قلوب وضمائر الناس.. يضيق هذا الإحساس تارةً ويتسع تارة أخرى تبعًا لاختلاف الأوقات والأحوال!.. صار ما ندعوه الواقع أو الوجود أو الدنيا أو العالم ـ هو ميدان حياة كل منا تبعًا لخطته أو قدراته.

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم «66»

لا شأن له فى الغالب الأغلب بحقيقة داخله إن لم يكن هذا الداخل قد اختفى من حياته كلية!.. بات معظم الخلق على نفور عام من التوقير والصيانة والمراقبة لداخل الآدمى، فقد اتسعت فجأة استفادات البشر من اهتمامهم بالانتباه الحاد ـ إلى قدرة الآدمى أى آدمى على الاستفادة الحاضرة أو الممكنة من محيطه وخارجه، وتغييرهما المطرد الذى لا ينقطع إبداعًا واتساعًا ـ فى مد هذا الاقتدار المفتوح للحواس والابتكار والانتهاز والتقليد والمكر والأنانية التى لم يعد يحدها الآن حدود سوى الفشل أو القهر أو هما معًا!.. فاختفت القناعة أو كادت من عموم البشر وحل محلها الإلحاح فى الطمع لدى العاجز والقادر.. وليس فى هذا الاندفاع غرابة.

لأننا مقلدون أصالة.. جبلنا على التقليد والمحاكاة منذ أن وجدنا.. ماضين وحاضرين.. وطبيعة التقليد تسمح لهذا أو ذاك بالانتباه لبعض الأغراض التى لم يسبقه إليها غيره فى محيطه.. والناس قد يغريهم ما التفتوا إليه فيقلده كل منهم بقدر استطاعته، وقد يضطرهم إلى هذا التقليد ـ بعد تمنع أو تردد المحيط.. إذ لا يوجد سلوك دائم لدى جنسنا لتعرض أفراده الدائم إلى الوجود من العدم وإلى العدم من الوجود!.. وهو ما يتيح للآدميين نوعاً من القدرة للفرد على حفظ ما لم يره أو ما رآه ولم يعرف سببه ـ بالسماع أو بالكتابة أو بالصورة فى حدود كل منها.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(986)

ونحن حتى مع أنفسنا ـ لا نتبع قط نفس الخطوات أو الحركات أو الرغبات أو الإشهادات أو الإرادات أو المرفوضات.. ولوحدة هذه اللغة السائدة أو تلك برغم تطورها المستمـر غيـر المحسوس.. لا يلتفت عموم الناس إلى ذلك عادة.. برغم اندماجه فى كلامهم وكتاباتهم ومطبوعاتهم، وفى نثرهم وشعرهم وخطبهم وغنائهم.. لأننا خلقنا لكى نتغير بغير توقف من لحظة الميلاد إلى نهاية العمر.. والبشر يسمون ذلك اصطلاحًا مراحل العمر التى يتعاقب فيها الاختلاف بظهور جديد يحل محل سابق يبيت بدوره قديمًا!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(989)

وهذه الاصطلاحات قديمة سطحية قدم كل من لاحظ ما يسمى مراحل العمر رغم تغيره الذى لا ينقطع بتغير الأفراد أحوالاً ثم تغيرهم كلية بغيرهم.. من أول الدهر إلى ما شاء الله.. لأننا على انتقال مستمر من خطوة الوجود فى دنيانا إلى خطوة الزوال منها بلا أى استثناء!!

والتفاتنا العجيب إلى وجود كل منا حال حياته الوقتية الحتمية الدائمة التغير، هو اللعبة الأولى والأخيرة لحياة كل آدمى.. وفى ماض أو حاضر أو مستقبل.. وهذا هو الآخر فى ظهور واختفاء وذكر ونسيان وانتباه لعدم، وعدم لانتباه.. وهكذا دواليك.. بقدر ما نتصور نحن يتصور كل آدمى فى يومه وغده إن أمعن التصور، ولكن غالبيتنا الغالبة بعيدة كل البعد ـ عن هذا الإمعان الذى يكشف لصاحبه خواء البشرية الدائم حين تخلو من الأحلام والتطلعات والآفات والغايات والأغراض والمقاصد والفلاح والنجاح والمكانة والمنزلة والثروة والغنى والأبوة والأمومة والبنوّة والقرابة والمحبة والصداقة والابتعاد والبغض والعداء والانتقام والشماتة!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »