رجائى عطية

من تراب الطريق (961)

شارك الخبر مع أصدقائك

ماذا تدرك العقول ؟ وماذا تعى ؟

(4)

يستحيل علينا فى أى وقت ماض أو مستقبل أن نخلق نحن شيئًا من العدم لم يوجد أصله فى الكون العظيم.. وعلومنا الوضعية بغير استثناء ـ لا ترتكز إلا على القوى والطاقات والمواد بكافة أنواعها وتحركاتها الموجودة ابتداءً فى هذا الكون.. وإهمال البشر للكون العظيم فى الماضى قد يبرره اتساع الجهل وشيوع الاستبداد، أما الآن فلا يغتفر إغفال الغالبية الغالبة فى الجماعات للكون وقعودها غير المقبول ـ عن الاهتمام والاعتراف بما فيه وباحتياج أرضنا إلى معوناته بل وإلى قدرته على إنقاذها من الأزمات المفزعة ـ لكل عاقل ـ التى تسودها اليوم!

إننا حتى الآن كائنات تعيش فى الغالب على العواطف.. وهى لا تعرف تمامًا معنى الدقة وقيمتها فى سلامة القصد وصحة الأداء ونجاح العمل وانتظام الحياة.. ولغاتنا يجرى أكثر ما تؤديه مع العواطف وتغذيتها يمينًا ويسارًا وفوقًا وتحتًا بغير تعقل.. لأن العواطف وحدها تسيل وتتوقف بعيدًا عن التعقل وحكمته، لكنها تستغله وتستخدمه بالعقل فى محاولة الحصول على ما تشتهيه فقط.. وهو ما عود الناس عليها فى كل مكان وزمان وحتى الآن.. إذ بسبب العواطف أمكن للبشر فى كل مكان بناء الأسر والصداقات والجوار والزمالة والوطنية والمذاهب والطوائف مع استخدام العقل واستغلاله فى ذلك كله.

اقرأ أيضا  فن التحرش!

والحاجة والطمع من العواطف البشرية العميقة الواسعة الانتشار جدًّا لدى الآدميين من قديم الزمان.. حتى قبل الحضارات.. وهما حاضران فى كل منحى واتجاه.. فى الصدق والكذب والامتثال والعناد والولاء والخصومة والقرب والبعد والزرع والقلع والبيع والشراء والإنشاء والإزالة والبناء والهدم والكسب والخسارة والعمل والبطالة والسلم والحرب.. حاضران فى التقدم والتأخر والمعرفة والجهل.. وفى الماضى والحاضر والمستقبل.. ولم يلتفت معظمنا ـ إلى اليوم ـ إلى أننا مسوقون بين يدى الحاجة والطمع.. لا نحاول علاج الحاجة ولا ترويض الطمع وكبح جماحه.. لا نجتهد فى ترويضهما بالتؤدة والروية والفهم والتعقل والنصفة، ولذا باتت أغلبيتنا تتخبط بين الأمل الذابل فى ابتعاده، وبين اليأس المحدق الذى يزداد كثافة يومًا بعد يوم، وبين الرضا الوقتى بما يجىء به كل يوم على حدة من خير أو شر دون مبالاة بالالتفــات إلى غد.. إذ لم نعد نبإلى بدوام الإنسان ومستقبله !

الصخب الهائل الذى نراه ونعاينه ـ يزداد صخبه كل لحظة نهارًا وليلاً فى تجميد العيون المفتوحة لغير هدف.. والآذان المليئة بما لا يبقى فى روح أو عقل، وتعطيـل الهمم والعزائم وتبديد الأوقات الطويلة بلا طائل جاد أو نافع أو لازم فى آونته ـ فكيف ينتظر الفلاح والنجاح؟!

اقرأ أيضا  جمال عبد الناصر.. تفكير بعد خمسين سنة.. (8) الخطيئة الأولى

إننا منذ البداية خلقنا لنعمل فيما وجدنا فيه معًا، ولنفهم ونفعل ما نعمله بقدر ما أتيح لكل منا فى زمنه، كيما يتقدم العمل المقدر له، بزيادة الفهم والعقل فى توإلى الأعمار خلال العصور والدهور.. فالكسل والالتواء والطمع والعناد والخصام والعراك، كلها عوائق للتقدم يصبر عليها الصابر ولكن بقدر ما قدر لها حتمًا من نهايات.

ثم إن استعمالنا لهذه اللغة أو تلك، يستحيل أن يتجاوز حدود تصوراتنا بالغة ما بلغت فى نطاق عقل كل آدمى فى زمنه.. فلا يمكن أن يتصور البشر تصورًا صحيحًا كاملاً سليمًا عن الكون العظيم بأسره، إنما يمكن فقط أن تلتقط حواس الآدمى مباشرة أو غير مباشرة شيئًا هنا فى هذه الأرض.. أو شيئا هناك فى جزء من الكون.. يتمكن به الآدمى من استيعاب ما يستطيع استيعابه منه، ويجوز أن يشاركه آدميون آخرون فى مرحلة أو أكثر من مراحله.. وهذه ليست ميزة رخيصة ولا قليلة.. قد تميز بها البشر على سائر الحيوان والنبات، وهى قد تنقل الآدميين من انحصارهم حتى اليوم فوق هذه الأرض إلى الانتشار خارجها الكونى غير المحدود لاستعمال حواسهم وعقولهم فيه.. وربما مكنهم أيضًا من يسر تصرفهم فى أعماق أرضهم بغير عوائق أو موانع. لأن مرونة العقل البشرى هائلة.. تكاد تكون غير قابلة للتقيد، وهى لا تخضع لتقييدها بالحواس، بل هى التى تُخضع الحواس ببراهينها وأدلتها التى لا تنفد، شأنها فى ذلك شأن العواطف والغرائز ونتائج العقول إذا انتشرت بين فريق يذعن لها حواس أهله فتنتحلها وتسلم بها.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (985)

وحضارتنا كلها ماضية وحاضرة ومستقبلة نتاج مرونة العقول وتحرك العواطف.. أذعنت لها حواس الناس.. وأكثرنا لا يلتفت إلى حركات العلاقات المتبادلة فى حياة الآدمى دون انقطاع بين العقل والعاطفة والحاسة.. وإهمال هذا الالتفات أو نسيانه كليةً هو الذى ضلل وعى الآدمى وشوه الكثير من أحكامه وعاداته واعتقاداته حتى الآن، ويتعين على العقلاء العناية بذلك الالتفات بكل ما فى مقدور أى منهم حيث لا يغنى عنه اللوم والتحسر والتشاؤم مع القعود اليائس !

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »