رجائى عطية

من تراب الطريق (935)

شارك الخبر مع أصدقائك

نفور الإسلام من الإستعلاء

نفور الإسلام من الاستعلاء والعظمة، مرده إلى تعلقه الشديد بالصدق.. وهو تعلق يعبر عن جوهر الإسلام فى تعامل المسلم مع ربه.. معاملة فيما كبر أو صغر، وفيما جل أو حقر.. هذا التعامل مع الله حاضر فى الفرائض وفى العبادات وفى المعاملات.. وهو تعامل لا يتحقق إلاّ إذا كان أساسه الصدق الصرف مع الله تعالى، ومن المحال أن يحل محله «مظهر» الصدق أو صورته أو اصطناعه أو المراءاة به.. لأن كل هذه الصور والمظاهر التى يمكن أن تخيل على الناس، لا قيمة لها عند الله تبارك وتعالى الذى يعلم السر وما يخفى.. والمسلم السوى لا يستطيع أن يرى عظيمًا غير الله تعالى، ولا أن يبصر عظمة غير عظمة الله تعالى، فإليه سبحانه وحده تتطامن وتعنو الوجوه والنفوس وتخبت للحىّ القيوم.

لذلك فاستغناء الإسلام عن حكم الناس فى إطار العظمة، اقترن باستغنائه عن تقديس أو تأليه السلطة.. وارتبط فى جوهره بفكرة المساواة التى ترفض التعاظم والاستعلاء، وتربط بين الناس بشعور فكرى كامن فيهم، وهو الجسر الحىّ للتقريب، ومنبع الشعور بالكرامة التى تعطى للمسلم حقه فى ألاّ يتكبر عليه أحد، وأن يعيش فى مجتمع عماده الهداية والرشاد والحكمة والمساواة.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (941)

لم يتجاهل الإسلام الفوارق الموجودة بين الناس، ولا افترض عدم وجودها. وإنما عمد القرآن والسنة إلى تغيير نظرة الناس إلى هذه الفروق ومعناها ودلالتها وقيمتها، وإلى مكافحة العادات الجاهلية الظالمة ومنعها من أن تستبد بتأويل وفرض تأويلها لهذه الفروق.

هذه المعالجة الباطنية النفسية اتخذت طريق التلقين : تلقين المسلمين أولا أن الملكات والمزايا والتراث والقيم ـ كلها نعم مصدرها الوحيد هو الله عز وجل، وأن بقاءها وزوالها مرتبط برضائه سبحانه ومشيئته.. وأن كل المخلوقات رهن بهذه المشيئة، وأن من تعاظم على ربوبيته قصم ظهره. إذ العظمة لله وحده لا يفكر فى مشاركته فيها إلاَّ مشرك؟

والتلقين الثانى الذى عمد إليه القرآن والسنة، هو تلقين المسلمين أن المبالغة والتطرف والإفراط فى الطلب ـ ليس من الإسلام. وأن الله تبارك وتعالى لا يحب الانفراد والاستئثار والاحتكار والبخل، ويمقت الاستطالة على الناس بالمال أو بالسلطة أو بالأهل، وأنه سبحانه وتعالى يحب السماحة والسخاوة والرفق، وأن المهم لنجاح الحياة هو البركة لا الكثرة.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(940)

والثالثة التى عنى بها الإسلام، هى تلقين المسلمين أنهم إخوة به.. وأن لهذه الأخوة تبعاتها أمام الله بتساندهم فى السر والعلن، فلا يجوع منهم أحد ولا يعطش ولا يتعرى ولا يُظلم ولا يُروع ولا يُضام بينما إخوته آمنون يأكلون ويشربون ويلبسون وينعمون.. وأنه عز وجل لا يقبل ممن أسلموا وجوههم إليه أن يتباغضوا ويتنافروا، وإنما يحب لهم أن يتحابوا ويتساندوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.. ولا يقبل الذى يحب أن يحتاز لنفسه كل شىء.. وأن يمتلك ويتميز ويتسيد ويرتفع وحده. فهذا الانعزال والانحياز للذات يعطل تيار الإسلام، ويبث الأنانية والتباغض والتباعد والغربة والفرقة بين المسلمين الذين يحب الله تعالى لهم أن يتآخوا وأن يتقاربوا.

أما الرابعة التى يلقنها الإسلام لأهله، فهى ألا يخافوا الفقر ولا ينبغى أن تفزع قلوبهم منه.. فخوف الفقر من الشرك الخفى لأنه ضعف فى الإيمان بالله وضعف فى الثقة بوعده.. وكذلك يلقنهم الإسلام ألاّ ينفروا من الفقراء أو يتجنبوهم أو يتعالوا عليهم أو يستخفوا بهم أو يستكثروا نعمة الله على ضعيف أو فقير، أو أن يكرهوا وصول نور الله وفضله ورحمته إليهم.

اقرأ أيضا  أمن البحر المتوسط.. رابع حصون مصر الطبيعية

والإسلام يلقن أهله خامسا ـ إدراك قيمة الناس والاعتراف بأهميتهم واحترام خصوصياتهم وحرماتهم، وتحاشى كسر خواطرهم بالاستطالة والصولة والتعالى عليهم وقلة المبالاة بهم.

ويلقنهم الإسلام كذلك، أن الفروق التى تستوقف أنظار الناس ـ عرض زائل لا يمس حقيقة الإنسان.

لذلك رفض الإسلام كل فكرة مبنية على الفروق الطبيعية كاللون أو العرق، أو على الفروق المكتسبة كالنسب والمكانة والمال.. فهذه كلها حوائل تباعد بين المسلمين وتحول دون تقاربهم والتقريب بينهم.. وتصد شعورهم بأنهم جميعا عبيد الله وحده وملكه سبحانه وحده، وتحول دون امتزاجهم وتعاطفهم وتعرقل تدفق تيار الأخوة فى الله عز وجل.

إن عبادة الفوارق هى التى تهدد قيمة وفائدة وعمل الحياة الإسلامية وتهدد معنى تساوى المسلمين فى نعمتها كل بقدر ما فى قلبه. والإسلام لا يقر ما يسمى بالطبقات أو أى تقسيمات للناس على أساس المال أو العرق أو الأنصبة من الدنيا.. فالطبقية مهما كانت صورها تشكل عوازل تعرقل المعنى الجامع الذى يطوى ويجمع كل أفراد الجماعة وينسيهم ما بينهم من فروق ويذكرهم بما بينهم من أخوة وتعاطف ومودة ورحمة.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »