رجائى عطية

من تراب الطريق (930)

شارك الخبر مع أصدقائك

الجهاد الحقيقى فى الإسلام

الولاء لله تعالى ليس محض تشدق بالكلام، أو تفاصح بالألفاظ.. يصدق تعبيرنا عن الولاء لله والإخلاص فى العبادات والمعاملات، حينما نحرص على الشرف والأمانة، وحين نقف إلى جانب الله حين يقتضينا الوقوف إلى جانبه تضحية غالية.. عندئذ فقط نكتشف أنفسنا ونكتشف أننا قادرون فعلا على الوفاء بما تشهد به ألسنتنا فى كل صلاة.. ونكتشف كذلك أننا كسرنا السور الكثيف غير المنظور الذى يحبسنا فى قيود وحدود حياتنا المألوفة المبتذلة السطحية بشواغلها الصغيرة وأنانيتها الكفيفة الشرهة ! وأننا قد ارتفعنا وارتفعت قيمتنا بالاتصال بحياة أرقى وأعمق وأكثر امتلاءً بالرضا والفهم.

عند هذه المعانى يبدأ أستاذنا محمد عبد الله محمد رحلته ـ بكتابه الرائع معالم التقريب ـ يبدأ فى البحث عن الجهاد الحقيقى. بداية هذا الطريق هى الامتلاء بالرضا والفهم لمعنى الولاء لله.. حين يصبح هذا الشعور الثمين قوت أرواحنا وصفقة البيعة الحقيقية التى عقدناها مع الله عز وجل. لا نفرط فيها لحظة من أجل مال أو سمعة أو جاه أو مكانة أو منزلة يمنحها إيانا ذلك العالم الرخيص الذى كسرنا أسواره بهذا الولاء الحقيقى لله. هذا هو بعض المعنى الكلى الكامن خلف فكرة الجهاد فى الإسلام.

اقرأ أيضا  «حزب الله».. من خير المقاومة إلى الغرور المستطير لأمد غير منظور

هذا المعنى لا ينقضى ولا يبطل قط، لأن قضية الله عز وجل، والولاء له، قائمة أبدًا تدعو أبناء الأرض إلى راية السماء دعوةً باقيةً إلى آخر الدهر، وفرص الجهـاد مفتوحة دائما لكل قلب يوفقه الله تعالى إلى الوقوف إلى جانبه وقبول التضحية من أجله عز وجل.

صور هذه المواقف والتضحيات التى تناسبها ـ لا حد لها، وهى متغيرة بتغير الظروف والأزمنة، بيد أن معنى الوقوف إلى جانب الله والولاء له بالتضحية الغالية ـ هو معنى ثابت باق.. وهو الذى يملى علينا المواقف المناسبة الواجبة.. ويختار لنا التضحية التى علينا أن نقدمها.. فلسنا مقيدين بالسيف للمجاهدة فى مواقف لا ينفع فيها السيف، وإنما ينفعها التضحية بالمطامع والأمجاد ونبذ الاعتزاز العنصرى أو الطائفى، وتنفعها التضحية بالمصالح الشخصية، وترك الأحقاد والشعارات التى تنشب فى بعض النفوس ويهون فى شفائها الموت نفسه !

إن الجهاد ليس فرصة لشفاء وإشباع وتمجيد ميول الآدمى العدوانية أو التميز بسببها، وإنما الجهاد يكون فى الولاء لله تعالى وحده بعيدًا عن جاهلية عبادة الذات والعشيرة والقوة المادية وحب التغلب وعشق العدوان وسفك الدماء وقهر الرجال والقسوة على الضعفاء وازدراء الرحمة والمحبة والرفق والاعتدال.. هذه فعلاً هى الجاهلية، البعيدة كل البعد عن الجهاد الذى هو ولاء لله وفى الله..

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (935)

قد يمر على المسلم وقت يكون فيه جاهلاً يفتقد بعض العلم والمعرفة، ولكن يستحيل أن يكون فى أية لحظة مسلمًا وجاهليًّا فى وقت واحد.. فالإسلام نقيض الجاهلية، وهدايته كانت ولا تزال لإخراج الإنسان من هذه الجاهلية المتحوصلة فى عبادة الذات والعشيرة والقوة المادية، الساقطة فى حب التغلب وعشق العدوان والاعتزاز بسفك الدماء وقهر الرجال والقسوة على الضعفاء وازدراء الرحمة والمحبة والاعتدال والرفق.

الجاهلية حياة جافة غليظة متغطرسة كفيفة خالية من الولاء لله عز وجل، منصرفة إلى تأليه قوة البطش واحترام مشاعر العدوان.

الجهاد فى الإسلام لا يحمل أى شبهة من معانى هذه الجاهلية.. بل أساسه الانتماء لله تعالى والولاء له.. وفهم المسلم لمعنى الجهاد، لا يتم إلاّ إذا صاحبه الشعور القوى بكرامة الانتماء إلى الله عز وجل.. وهذا الشعور عنصر جوهرى ثمين فى الإسلام..والعزة كلها لله صاحبها ومصدرها، والعزة لرسوله الذى اهتدى وهدى الناس للاعتزاز بالانتماء إلى الله، والعزة للمؤمنين المعتزين بالله ورسول الله.. هذا شعور هائل بالنبل والشرف يضع المسلم فى الإطار الذهبى الذى تلمع داخله فضائل الإسلام .

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (934)

هذا الشعور بالنبل الذى يشعر به المسلم السوى، أبعد الأشياء عن الغرور الصلف والغطرسة والاستعلاء على الخلق وتجاهل الكون وازدراء الوجود.. إنه رفض تام لهوان الروح والعقل، ومقاومة كاملة شاملة للتعفن الداخلى.. هو المسار الطبيعى الذى لا يوجد مسار آخر سواه، لولاء العقل والروح لله بإخلاص وشجاعة ولإصرارهما على هذا الولاء وشعورهما الدائم بهذا الولاء. هذا الشعور بالفعل هو ممارسة ومعايشة الإحساس العميق بالله فى حياة المسلم كلها، أو هو التعلق الشغوف بهذا الإحساس العميق بالله فى الحياة كلها. إنه هو هذا الولاء التام الفعال للمولى عز وجل.. يهتف باستمرار بصوت يزداد ارتفاعًا فى وجدان المسلم بأن الدين هو عند الله الإسلام، وليدفع وجدانه هذا بعيدًا عن الكبر والأنانية والانتصار للذات والبغى والظلم والشر.. وليجمعه ويقربه من توابع الولاء لله عز وجل، ويدفع فى حناياه الرحمـة والتواضـع والشجاعـة والنصفـة والحق والخير.. حيث لا تعصب ولا سرف، وحيث لا يتصور التعصب والسرف، لأن النفس وقد أخبتت لله جل شأنه، وامتلأت بالولاء له سبحانه، ارتقت فى مدارج السالكين إلى معراجه تبارك وتعالى، حيث ترتفع النفوس إلى أجمل وأنقى مراقيها.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »