رجائى عطية

من تراب الطريق (908) تآكل مكانة المعلم

شارك الخبر مع أصدقائك

تربى جيلنا على مكانة يحفظها للمعلم، ينطق بها قول الشاعر:
قم للمعلم وفه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولا
إلاَّ أنه مع اختلال ميزان وجدول القيم ، وتآكل دور الأسوة أو القدوة بعامة، تآكلت مكانة ودور المعلم، وساهم فى ذلك سوء الإدارة التى كانت كفاءتها فى السالف تهيئ للمعلم القيام برسالته محوطًا بالعناية والدعم، بيد أن الإدارة أصيبت بعوامل نحر عديدة يطول فيها الحديث، حتى وصلت كفاءتها إلى أدنى معدلاتها، وانعكس ذلك على مكانة المعلم ودوره التربوى والتعليمى!
علينـا أن نسلـم أيضًا أن انخفاض مستوى التعليم إزاء ما أصابه من أمراض ساهم فيها الزيادة الأفقية المذهلة فى أعداده دون اهتمـام جدى بالكيف، قد عاد وانعكس ـ ومعه أسباب خاصة بمناهج وعطاء كليات التربية والمعلمين لا مجال لاستقصائها هناـ عاد وانعكس على المعلم ذاته، لأنه هو نفسه صناعة وإفراز هذا التعليم الذى ضمر وتراجع مستواه..
هذا التراجع الذى زاد وباله، تصانيف وتصاريف وتحكمات توزيعات مكتب التنسيق الذى فرضت بورصته تراجع ترتيب كليات التربية والمعلمين إلى ذيل الاختيارات، ومن ثم تواضع مجاميع من يقذف بهم التوزيع التحكمى إليها، والأدهى أن أحداً منهم لم يتخير التدريس عن حب أو رغبة واقتناع، فتحالف تواضع «القماشة» مع انعدام الاختيار فى تشكيل معلمى الغد تشكيلًا فاقدًا للكفاءة والروح معًا!.. ولا جدال أن كفاءة المعلم، فضلا عن إخلاصه وحبه للعمل، هى المقوم الرئيسى لمكانته وسط المحيط بعامة ووسط تلاميذه بخاصة.. ليبدو للأسف وكأنما الظروف كلها قد تحالفت وأخذت تعمل ضده وتسحب منه المكانة والدور اللذين ظل بهما يصنع ـ فـى تجرد واستغناءـ أجيالًا تلو أجيال من المصريين!
لم تكن قيمة ومكانة المعلم هى الوحيدة الضائعة مع القيم المجتمعية الجديدة ، بل أدى ضياع أو إضاعـة دور ومكانـة « القدوة » إلى تداعيات انعكست على ميادين كثيرة.. حلت فيها الغوغائية والتفاهة ودغدغة المشاعر والأهواء، محل « القيمة » التى توجب احترام «الأسوة» لا هدمها وإلقاءها بالأحجار!!.. ولذلك هبط وتدنى الفرز العام للمجتمع فيما يقدمه من اختيارات للحياة السياسية أو النيابية أو المحلية أو الاجتماعية أو الرياضية أو النقابية!!!، وطال ذلك فيما طال نقابة المعلمين التى بات توليها أشبه بقرار رسمى، وانطفأ مع تواضع إفرازها واختياراتها فى المديريات والمناطـق والقطاعات التعليمية، أى دور حقيقى لها فى رعاية وتأهيل وتقويم وضبط ومساندة المعلـم للقيام بدوره الـذى عليه تتوقف العملية التعليمية برمتها!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (942)

من مظاهر تآكل وتراجع دور ومكانة المعلم فى عيون الناس، أن ظروف الأداء المتراجعة فى المنظمة التعليمية، بالإضافــة إلى سلبيات أخرى، لم تعد تسمح بظهور رواد أو دخـول الأكفـاء فى تصانيف الريادة أو كبار الأعلام… لم يعد واقع الحاضر يفرز أو يسمح بإفراز أعلام فى مجال التعليم.. ويبدو أن الحياة العامة والتاريخ قد فارقا أو كادا يفارقان الحفاوة التى كانت بروادٍ وأعلام للتعليم.. فى السالف بزغ رواد أعلام تبوأواـ ولا يزالونـ مكانة سامقة.. الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر، ورفاعة الطهطاوى، وعلى مبارك، والأفغانى، ومحمد عبده، وأحمد لطفى السيد، وأحمد أمين، وطه حسين، وإسماعيل القبانى صاحب الأيادى العديدة على التعليم، وعبد الرزاق السنهورى، وعلى ومصطفى مشرفة، ونبوية موسى أول ناظرة وأول مفتشة عرفتها وزارة المعارف العمومية، وأستاذة الرعيل الأول من المربيات المصريات، وأسماء فهمى أول مديرة عربية لمعهد التربية العالى للمعلمات.
وضع المجتمع هذه القامات التربوية جنبًا إلى جنب مع أعلام السياسة والاقتصاد والاجتماع، وعرف لهم- ولا يزال يعرف- قدرهم لدورهم التربوى المجرد دون أن يتوقف هذا التقدير على ما حققه بعضهم فى مجالات أخرى موازية.. قدّرهم المجتمع والناس عرفانًا بما قدموه للتربية والتعليم، فانعكس هذا التقدير إقبالًا من الأجيال على التقدم لخدمة التعليم مطمئنين أن أصحابه ينعمون فى المجتمع بالمكانة والتقدير والتوقير والإجلال..
www. ragai2009.com

اقرأ أيضا  عجز جماعة «الإخوان».. عن مقام الدعاة وحكمة السياسيين

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »