رجائى عطية

من تراب الطريق (867)

شارك الخبر مع أصدقائك

عمرت الإذاعة المصرية ، منذ إرهاصاتها الأولى التى توجت بمولد الإذاعة الرسمية وبث إرسالها الأول فى مايو 1934 ، حيث بدأت من أيام احتفالات عيدها السنوى ـ عمرت بنجوم لامعة ملأوا موجاتها وملأوا الحياة الأدبية والفكرية والفنية والإعلامية ـ خصوبة وعطاءً ، منهم من برع وامتاز فى طلاوة الصوت ، أو فنون الإلقاء ، أو قراءة النشرات الإخبارية ، أو التعليقات السياسية ، أو الربط فى الأستوديو ، أو نقل الإذاعـات الخارجية ، أو فـى كتابة الدرامـا ، أو التعليق السياسـى ، أو المنوعات ، أو فى الإخراج الإذاعى.. من عباءة الإذاعة المصرية خرج الشاعر الأديب ، والروائى اللامع ، ورائد الأدب الشعبى ، واللغوى المجمعى ، والمسرحى القدير ، والناقد المتميز ، ومنهم من جمع بين أكثر من ملكة أو موهبة من هذه المواهب ، ومنهم من كان متكاملا دانت له جميع هذه القدرات ، ومنهم من جاوزها إلى ميادين الأدب والشعر والقصص والرواية والمسرح والتراث الشعبى والنقد والدراسة.. وعدتك بالمقال السابق أن أحدثك عن إذاعى فذ وأديب مبدع وكاتب رائع من نجوم الإذاعة اللامعين ، اكتملت له هذه المواهب والقدرات ، وتجلت فيه عبقرية فهم رسالة الإذاعة ، والاقتدار فى أدائها والقيام بها.. متعدد الجوانب ، موسوعى الثقافة والمعرفة ، ضرب بعطائه وإنتاجه الغزير فى كل باب ، لم يترك الشعر الذى نظمه فى سنوات الدراسة ، إلا ليرتاد دنيا الأدب والفن والتأليف الدرامى والمسرحى والنقد والترجمة. نويت أن أكتب عنه منذ رحيله عن دنيانا فى فبراير 1992 بعد رحلة عطاء طويلة تولى فيها رئاسة شبكة صوت العرب ، والمستشارية الصحفية للرئيس الراحل أنور السادات ، ووكالة هيئة الاستعلامات التى عاد إليها بعد أن تولى مكتبنا الإعلامى فى استراليا ، وآب منهـا إلى رحاب الإذاعة كاتبا من الخارج بعد بلوغ سن المعاش ، فملأ الدنيا حضورًا لافتا ، أنعش آمالاً عزيزة فى أن يتواصل عطاؤه الذى افتقدته الإذاعة فى سنوات الغربة ، ولكن ملاك الموت اختطفه اختطافاً مباغتا فور وصوله عائدا إلى أرض الوطن من رحلة نهض فيها على تدريب باقة من شباب الإذاعيين بالكويت على فنون وأساليب العمل الإذاعى ، عاصرها زميل عمـره المرحوم صلاح زكى وعلق عليها ـ فى تأبين مجلـة الإذاعة ـ بأنه رآه يؤديها باقتدار المتمكن المالك لكافة أسرار المهنة ، ويبذل ما لا يقوى عليه أربعة من الشباب !

كان لا بد أن يمضى وقت طويل على رحيله عن دنيانا قبل أن أتمكن من الكتابة عن سعد زغلول نصار.. لألملم شتات نفسى ومشاعرى الحزينة ، ولأجمع شتات ما كتبه وهو كثير غزير ، ولأتهيأ للكتابة عما خاضه من بحور لا يستطيع المبحر أن يمسك بزمامها كما أمسك هذا المبدع الموهوب فى تمكن واقتدار ..

الإذاعة تخاطب جمهورًا غير محدود من المتلقين ، متفاوت العلم والثقافة والمعرفة والأذواق والميول والمشارب.. عليها أن تغطى فى مادتها المبثوثة كل هذه المطالب ، فى فهم وقدرة على الصياغة التى تجمع بين الرصانة والتشويق.. هذه الرسالة تتطلب فى الإذاعى فهما ومقدرة على الاستيعاب والأداء.. وكأن سعد زغلول نصار قد خلق للإذاعة التى بثت إرسالها الأول بعد مولده (1930) بأربعة أعوام.. كان ـ رحمه الله ـ متعدد المواهب متنوع الاهتمام والإنتاج ، لم يدع مجالاً إلاّ خاضه وتميز فيه.. لم يكتف بموهبته الصوتية المتميزة ، طلاوة وأداءً فى النشرات والإذاعات الخارجية والتعليقات ، وفى فنون الإلقاء ، بل وفى الغناء الذى صدح به ـ وهو مذيع ـ فى ركن الهواة ، وإنما امتدت موهبته وأشواقه إلى استيعاب معين هائل من المعارف والثقافات ، واتسعت لإنتاج غزير متنوع متميز.. شاعر ، وأديب ، ومؤلف ، وكاتب دراما وسيناريو ، وناقد ، ومترجم.. موسوعى العلم والثقافة ، إنسانى النزعة ، ملأ الإذاعة والتليفزيون والحياة الثقافية والأدبية نشاطًا هائلاً انعكس فى شعـره الذى نظمه وهو لا يزال طالبا.. وفى التأليف ، والكتابة الدرامية للإذاعة والتليفزيون ، والتأليف للمسرح ، والترجمة ، والدراسات الأدبية والنقدية والسياسية والإنسانية.. كتب عشرات الأعمال الدرامية للإذاعة وللتليفزيون ، ضمت التراجيديا والكوميديا ، وتفرعت إلى الأعمال الأدبية والثقافية والدينية والتاريخية.. وألف للمسرح ، وللتليفزيون ، وكتب فى أدب الرحلات ، وترجم العديد من روائع المسرح والقصص العالمى ، وكتب مئات المقـالات الأدبية والنقدية والسياسية.. وكان معبرا فى كل ما قدمه عن الفهم العميق لرسالة الإذاعة التى عشقها ، واقتدار الأداء مذيعًا أو كاتبًا أو مؤلفًا أو مترجمًا أو ناقدًا ..

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »