رجائى عطية

من تراب الطريق (864)

شارك الخبر مع أصدقائك

فى الآخرة نتطهر من بلايانا، حيث البراح فى الآخرة ليس بعده براح، والغنى لكل حىّ لم يعرفه غنى آخر من قبل، والاستمتاع الذى لا يدانيه أو يحجبه استمتاع الدنيا على أية درجة كان فى أى زمان أو مكان !.. وجه العجب والغرابة أننا خلدنا إلى ذلك دون بذل ما يقتضيه من عمل ومجاهدة وصلاح، وقر فى أخلادنا أننا نستطيع أن نضيف آخرتنا تلك بمزاياها الهائلة الدائمة ـ إلى دنيانا الحالية دون أى تغيير أو تعديل أو تنقية أو ترقية، بل وزدناها فى تصوراتنا أنانيةً وطمعًا وجشعًا وخبثًا ولؤمًا، بعد أن ملأنا دنيانًا نكدًا وانحدارًا وخصامًا ومقتًا وأحقادًا وعدًاء وعراكًا وإسراعًا يدفعنا إلى الإهلاك والهلاك والإفناء والفناء!!

ولم نعرف حتى الآن يقينًا إلا يقين الذات المحصور فى كل منا، وكأنه لا شأن لنا بما أتت به الاكتشافات والعلوم الوضعية من حقائق علمية يسلم العارفون بأنها ستبقى معرضة أبد الدهر ـ لكشف جديد مقنع فى زمانه، يعدل أو يصحح أو ينفى ـ ما كان مقبولاً أو راجحًا.. وهذا الاحتمال المطرد هو على الدوام أساس جميع المعارف الوضعية منذ أن اقتنع العالم الحديث بقيمتها واعتمد عليها فى دنياه بأسرها برغم تسليمه بأنها معرضة للحذف أو التغيير أو الإلغاء تبعًا لما يستجد من مكتشفات..

مع ابتعاد الناس عن هداية وسقوف الأديان، زادت غربتهم فى هذه الحياة وزاد انحصارهم فى قبضة الزمن وقبضة الذات.. لا يجدون حيلـة لخلـود مـع مَرّ الزمن وتوالى الصيرورة التى لا تبقى شيئًا ولا كائنًا على حاله، وينكفئون على ذواتهم منحصرين فيها مشغولين بها عما عداها.. شأن هؤلاء الواقعين فى قبضة الزمن والذات، كشأن من يعبد الله تعالى على حرف، الذيـن فيهم قال القرآن المجيد: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ» (الحج 11).. ذات كل آدمى ـ ليست إلاّ شعوره هو الباقى معه منذ أن يولد إلى أن ينتهى متفردًا بانفصال حياته فى إطار جماعة بشرية مع ذاته فى كنف ما يتسع به المحيط البشرى تدريجيًا إلى ما يشاء له قدره فى هذه الحياة الدنيا.. ما زال الإنسان إلى اليوم يوظف عقله فى خدمة ذاته أولاً، ولا يوظف ذاته فى خدمـة عقله !.. فهل يمكن للإنسان فى زمن ما ـ أن يفلت بعقله مستقبلاً من قبضة الذات التى ما فتئت تورده موارد الهلاك؟!.. الاستسلام لقبضة الذات يأخذ صاحبها بعيدًا عن سنة الكون وحكمة الحياة وحلاوة الإيمان ومتانة الاتصال بحبل الله تعالى.. سبحانه القائل فى كتابه الحكيم : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فى رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فى الأرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِى الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (الحج 5، 6) صدق الله العظيم.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »