رجائى عطية

من تراب الطريق (862)

شارك الخبر مع أصدقائك

لا يوجد كائن حىّ إلاّ ويتعلق بالحياة لا يريد أن يفارقها، ومع أن الموت جاثم لا حيلة فى تجنبه، إلاّ أن الحىّ يأبى التسليم بهذه الحقيقة التى فيها يقول القرآن المجيد: «وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (الأنبياء 34، 35 )..

الآدمى يعرف أنه لا جدوى مما يريد أن يحيد عنه، ويعرف أنه لا دوام لمخلوق، وأن الموت لاحق به لا محالة، ومع ذلك يمنى نفسه ظاهرًا أو باطنًا بمزيد من العمر والبقاء على صفحة الحياة.. هذه الأمانى قلقة دائمة بالأجل المرتقب الذى لافكاك منه.. يذكر القرآن الحكيم ذلك فيقول: «وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ » (ق 19).. ولو رضى كل منا بوقتية حياته حامدًا شاكرًا ربما أصبح أسعد حالاً وأهدأ بالا.. لكن قد حال دون ذلك فيما يبدو، أن الآدمى لا يولد إلا طفلاً ناقص الرؤية غائب العقل يحتاج لسنوات لرتق هذا العجز الذى يشوه خلالها كمال نضجه بما يبقيه فيه من آثار ماضيه، ومع تشوه أو قصور نضج الآدمى، قد ينحبس فى الماضى، ويفقد القدرة على رؤية الحاضر رؤية واقعية فاعلة، ويعجز من ثم عن توقع واستشراف مستقبله!

وقرب بعضنا من بعض وبعد بعضنا عن بعض ـ نسبى باستمرار.. وغير ثابت ودائم التغير ـ باختلاف المستويات والعلاقات والمناسبات والأماكن والمسافات والأجيال والعصور، وكثيرًا ما نتجاهل مراقبة هذه الاختلافات وفروقها اعتمادًا منا على درجات القرابات أو المعارف القديمة أو سنوات العمل المشترك أو الجوار أو زمالة الدراسة ، وقلما ننجح فيما نقصده، لأن يد البعد الفعلى قد امتدت ومحت ذلك الماضى الذى لم يعد إلاّ افتراضًا وأملاً !!

ولا يستثنى من حصول هذا البعد البعيد قرابة الأبوة أو الأمومة أو البنوّة.. كثيرًا ما تعمل الفرقة عملها حين تتباعد وتتناءى أماكن الإقامة وتمتد بوحشة البعد دون أن تتوالى اللقاءات.. مع طول أزمنة الابتعاد تخفت المشاعر الأسرية إلى أدناها ويستغنى كل أو ينشغل أو يتلهى فى واقع أمره عن قريبه أو صاحبه.. يحدث هذا الخفوت حتى وإن توالت الاتصالات والرسائل بينهم ولم تنقطع!!

يبدو أن الآدمى فى زحام العصر وزحف الماديات لم يعد يحفل كثيرًا بالقرابات أو العلاقات الحميمة الأخرى إلا مع التواصل الدائم المنتظم الفعلى بين الأشخاص، أما غير ذلك من العلاقات فتتوالى وتزحف عليها الأيام والتقلبات.. معارف يحل بعضها محل بعض.. وقرابات كانت حية من قبل ثم خبت، أو معارف كانت عزيزة ثم ضوت دون أن تصل فى حقيقتها إلى القرابة الفعلية. ولكننا فى خلطنا واختلاطنـا كثيـرًا ما ندخل هذا وذاك معًا فى نفس الجراب ـ دون أى تدقيق، نسوغ أو نبرر لأنفسنا وهن ما كان لنا من قرابات أو صداقات أو أواصر ـ بأنه لا يرجع إلينا وإنما إلى تقصير الآخرين فى القيام بواجبهم نحونا!

وعكس ذلك الابتعاد دوام الاقتراب بعد ابتعاد، نراه خاصة فيما يبذله ويمده الأعوان والعمال والخدم من ولاء وود وتفانٍ بعد نهاية خدمتهم إلى آخر عمر كل منهم، وهذه قرابة أرواح تقود أجسادًا ما بقيت هى وبقى أحبابها فى دنياها..

لا تقدم إلا خدمة الوفاء والمحبة ـ لا الأجر أو النفع الشخصى.. هذا لا يزال له وجود حتى الآن فى مجتمعاتنا، لكنه قل كثيرًا جدًّا عما كان عليه بفعل محاكاة الغالبية للخاصة، اعتقادًا بأن الخاصة أميز حالاً ومالاً ومعنويًا، وهو وهْم قديم باق من أول الدهر لا أمل فى تجاوزه إلاّ أن يفيق الناس من أحلامهم، لأن مزايا الخاصة محض كمالات.. دائمًا وقتية.. تخيلوها هم فقط أو تخيلها المبهورون بهم.. لم تنج قط من الأحقاد والأطماع والمخاوف.. تملأ هذه المخاوف والتوجسات أيامهم ولياليهم الباردة المجردة، ولا تتيح لهم إلاّ بريق الشكل والمنظر وافتعال الحركات والكلام!.. نسوا بحرصهم على الرقى ـ ماضيهم أو آبائهم، وأسقطوا من حسابهم بعناد ـ حلاوة الود والعشرة وعادات الرضا والغضب التى كان يتبادلها العامة إلى وقت قريب بحماس لم يبق منه الآن إلا القليل!

www. ragai2009.com
rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »