رجائى عطية

من تراب الطريق (819)

شارك الخبر مع أصدقائك

مرتضى المراغى شاهدًا على حكم فاروق (28)

هذا الفصل من كتاب مرتضى المراغى ، يتضمن شهادة مباشرة من واقع لقاء المراغى بالملك فاروق فى مكتبه، وعناوين ما دار بينهما مثيرة، تدور حول علم فاروق بكراهة الشعب له، ولماذا لا يخشى ذلك، وحول علمه ـ كزعمه ـ بأنه يعلم عن كل ضابط بالجيش ما لا يعلمه عنه أبوه وأمه، وحول التقارير التى كان خدم الملك يكتبونها عن الشيوعية، ويطلب فاروق من الوزارة الأخذ بها.

اللقاء بفاروق

فى جلسة بنادى المعادى الرياضى، يطنب المراغى فى وصفها إطناب الروائى وبأسلوبه، فى يوم حار من أيام شهر مايو عام 1949، بعد يوم عمل شاق ـ كالعادة ـ بوزارة الداخلية التى يعمل وكيلاً لها، تلقى اتصالاً تليفونيًّا على خط النادى من القصر الملكى ، حيث أخبره السكرتير الخاص للملك أنه مطلوب فورًا إلى القصر لمقابلة الملك.

وأترك لمرتضى المراغى يصف بكلماته لقاءه بفاروق..

«حين وصلت إلى قصر القبة رأيت سكرتير الملك فى انتظارى، فقادنى فورًا إلى مكتبه. وكان جلالته جالسًا على كرسى مكتبه. ولأول وهلة بدا لى أنه غير مستريح فى جلسته. فالكرسى المصنوع من خشب الماهوجنى الثمين كان يبدو ضيقًا بعض الشىء على جسده الضخم المترهل، وكان يرتدى بدلة فيلد مارشال ( مشير ) لأننا كنا لا نزال فى حالة حرب مع إسرائيل، وكانت سترة البدلة مفككة الأزرار وكذلك أزرار قميصه الكاكى، وربطة العنق متدلية. وكان وجهه يتصبب عرقًا على رغم المراوح الكهربائية وجهاز تبريد الغرفة، حيَّانى بأن قام نصف قومة بشىء من العناء، وأشار إلىَّ بالجلوس. كان يلبس نظارة بيضاء على غير عادته. لاحظت أنه على الجانب من المكتب الذى أجلس عليه، أباجور ضخم ذو مصباح كهربائى قوى كاد يبهر نظرى. وقد أدركت أنه يفعل ذلك ليرى بوضوح وجه الجالس أمامه وتعبيراته وانفعالاته، ظل فاروق صامتًا لحظات سألنى بعدها:

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (939)

«هل تلعب التنس جيدًا؟

ـ فقلت: يا صاحب الجلالة لا أدعى أنى بطل، ولكن أعتقد أنى أجيد اللعبة.

فضحك ساخرًا، وقال: إنه متأكد أنه لو لاعبنى لهزمنى، وأنه يستطيع أن يكون بطلاً لو مارس اللعب بانتظام، ولكن مشاغله تحول دون ذلك، مع أن وزنه قد جاوز المائة كيلو جرام.. ولكنها أوهام الملوك!

«وأخذ يحدق إلى ورقة أمامه ثم تناول قلمًا أحمر خطط به سطرًا تحت إحدى فقراتها، ومدَّ يده بالورقة وناولنى إيّاها قائلاً بصوته الذى كان يقارب الفحيح:

ـ خذ هذه الورقة واقرأها.

«تناولتها وبدأت القراءة. وفى هذه الأثناء دخل خادم نوبى بملابسه المزركشة يحمل صينية فيها إبريق ضخم من الكريستال مملوء بعصير البرتقال وفنجان فيه القهوة. وضع الإبريق أمام الملك وفنجان القهوة أمامى.

«أخذت أقرأ الورقة. وأخذ جلالته يشرب البرتقال ويدخن سيجارًا ضخمًا. كانت الورقة تقريرًا مكتوبًا بالآلة الكاتبة عن النشاط الشيوعى فى مصر، وأنه يزداد ازديادًا شديدًا فى أوساط المتعلمين، سواء فى الجامعة أم المدارس العليا أم الثانوية فى الفصول الأخيرة منها. وذكر التقرير بعض أسماء الجماعات الشيوعية كجماعة (حدتو) وهو اسم لحركة شيوعية ترمز حروفه إلى أنها نحو حركة ديمقراطية تقدمية وطنية. كما ذكر أسماء أساتذة من الجامعة ومدرسين فى المدارس وطلبة وضباط جيش وأعضاء فى نقابات العمال. ولما انتهيت من قراءة الورقة، رأيت الملك ينظر إلىَّ من وراء نظارته بعينيه الزرقاوين الضيقتين نظرة تحدٍّ مصحوبة بابتسامة ساخرة وقال:

اقرأ أيضا  عجز ربان تركيا عن قيادتها وسط بحيرة من العزلة

«هل انتهيت؟

قلت: نعم.

قال: ما رأيك؟

قلت: يا صاحب الجلالة، إن هذا التقرير هو صورة طبق الأصل من تقرير اطلعت عليه منذ أسبوع عن النشاط الشيوعى فى مصر.

اكفهر وجهه وقال:

ـ ما الذى تقوله؟

قلت: قد قرأت صورة طبق الأصل من هذا التقرير، وأنه واحد من عدة تقارير تتناول النشاط الشيوعى، وأن كل الأسماء والجماعات الشيوعية وضعتها وزارة الداخلية تحت مراقبة دقيقة.

«وهنا انتفض جلالته ونهض من كرسيه وهو يصيح:

كلامك غير صحيح. إن هذا التقرير يكشف النقاب عن معلومات لا تعرفها وزارة الداخلية.

وأخذ يضرب مكتبه بقبضة يده صائحًا:

ـ إنكم مقصّرون، إنكم لا تدرون شيئًا مما يدور فى هذا البلد. أنا وحدى الذى أعرف ما يدور. أنا أسهر الليل، وأعمل طول النهار، ووزير الداخلية كلما سألت عنه يقولون إنه نائم، وأنت تمضى وقتك فى لعب التنس.

«وهدأ غضبه قليلاً حين دخل الخادم يحمل دورقًا آخر من عصير البرتقال وطبقًا كبيرًا مملوءًا باللوز.

قلت:

ـ لا شك فى أن جلالتك تمضى الليل مع النهار ساهرًا تنظر فى شئون الدولة ( وكل مصرى كان يعلم أنه يسهر الليل إلى الصباح فى نادى السيارات يلعب البوكر والبكارا أو فى ملهى الأوبرج، وأنه ينام حتى الساعة الرابعة بعد الظهر ). ولكن اتهام جلالتك لنا بالتقصير شىء خطير، لأن حماة الأمن إذا قصروا إنهار الأمن، وليس معقولاً أن نترك جلالتك تعمل كوزير للداخلية ووكيل لها ومدير للأمن العام بدلاً من الوزير الذى ينام دائمًا، ووكيل الوزارة الذى يعلب التنس.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(940)

فرد بسخرية قائلاً:

«وهذا هو ما يحصل مع الأسف.

سكت لحظة ثم ضحك وقال:

«ولكنى سأعطيكما فرصة أخرى وعليك أن تتوجه إلى مكتبك وتصدر الأمر بالقبض على كل الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فى التقرير.

قالت: اسمح لى يا سيدى بأن أعلق على الشيوعية فى مصر. إن عملاء الشيوعية بدءوا أول ذى بدء فى نشر دعايتهم بين طبقة الفلاحين والعمال، مستغلين سوء الحالة الاجتماعية. وكانوا فوق الدعاية يقومون بتوزيع بعض الأموال. ولكن مسعاهم فشل لأن أكثر الفلاحين لا يجيدون القراءة والكتابة، وكذلك الكثير من العمال. لقد أخذوا المال ولم يفهموا المبدأ الشيوعى ولم يهضموه. ولما ضاعت مساعى العملاء توجهوا إلى أوساط المتعلمين الذين قرءوا الكثير عن كارل ماركس ولينين وتروتسكى وهدموا مبادئهم وتعاليمهم، وتأثروا بالظلم الفادح الذى تعانيه الطبقة الكادحة والاستغلال البشع الذى يرزحون تحته. وفوق ذلك، فإن المتعلمين يشعرون بأنهم مظلومون. فمرتباتهم لا تكاد تفى بحاجاتهم وحاجات أسرهم، بينما تتلألأ قصور الجهلة ذوى العقول المظلمة بالأنوار والخدم والحشم والجواهر».

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »