رجائى عطية

من تراب الطريق (816)

شارك الخبر مع أصدقائك

مرتضى المراغى شاهدًا على حكم فاروق (25)

يروى مرتضى المراغى أنه كان يتردد على مكتبه فى وزارة الداخلية، أثناء توليه منصب مدير الأمن العام، السكرتير الأول للسفارة البريطانية المستر لانسديل لمراجعة مسائل الإقامة والجوازات للرعايا البريطانيين أو لإجراء تسهيلات لسفنهم الحربية، وكان شابًا مرحًا طروبًا لا يحمل الطابع الفكتورى المحافظ. ولكن الشك كان يراود المراغى فى أنه يحمل خلف مظهره المرح مهمة رجل المخابرات متسترًا بعدم المبالاة وبسذاجة محببة لا ترقى إلى مرتبة الغباوة أو البله ليعرف حقيقة ما يدور فى الدوائر الحكومية والأوساط الاجتماعية، وكان له أصدقاء كثيرون يدعونه إلى بيوتهم ويدعوهم بدوره وينفق عن سعة، لأنه كان من أسرة غنية وكان وثيق الصلة بكثير من رجال القصر.

ويضيف المراغى أنه فى ليلة من ليالى عام 1948، عاد إلى منزله متعبًا، وسرعان ما أخلد إلى النوم، ثم فؤجئ برنين التليفون، فرد مغتاظًا ليسأل غاضبًا من الطالب، فرد عليه صوت بالإنجليزية: هل أنت نائم ؟

صب عليه اللعنات، ولكن الطالب أخبره ضاحكًا بأنه « لانسديل »، وأنه يرغب فى لقائه الآن لأمر هام، وأنه سيوافيه بمنزله بعد ربع ساعة، ولدى حضوره وقد بلغت الساعة بعد الواحدة ليلاً، قدم إليه ورقة مكتوبة على الآلة الكاتبة، فطفق يقرأ ما فيها…

«تلقى السفير البريطانى فى الساعة العاشرة مساء برقية من وزارة الخارجية البريطانية (وكان وزيرها هو المستر بيفن) فحواها أن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تتشرف بإبلاغ صاحب الجلالة ملك مصر أنها على استعداد لتقديم كل معونة تطلبها حكومة جلالته لتزويد الجيش المصرى بالمعدات الحربية التى يحتاج إليها من دبابات وسيارات مدرعة وسيارات نقل ومدافع ورشاشات وبنادق وقنابل وطائرات، وأنها فى سبيل تنفيذ ذلك ستطلب من القائد العام للقوات البريطانية أن يفتح مخازن الأسلحة فى منطقة قناة السويس للقوات المسلحة المصرية لتأخذ منها ما تحتاج إليه، وأن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تطلب نظير ذلك من صاحب الجلالة الملك فاروق أن يتنازل عن المطالبة بضم السودان إلى مصر، وتبعًا لذلك يتنازل عن لقب ملك السودان ( كان ملك مصر يلقب بملك مصر والسودان وصاحب النوبة)».

وما إن فرغ المراغى من قراءتها، طلب منه « لانسديل » أن يبلغها للملك، وبأنه إذا ما وافق عليها سيأخذ الاقتراح مجراه السياسى.

ولكن المراغى سأله لماذا لا يحملها السفير البريطانى (رونالد كامبل) إلى رئيس الحكومة النقراشى باشا، أو وزير الخارجية، فهذا هو الوضع الدبلوماسى الطبيعى.

أقر لانسديل بذلك، ولكنه أبدى أن السفير واثق من أن النقراشى باشا سوف يرفض الاقتراح والعرض، لأن السفير حاول معه من قبل أن تتخلى الحكومة المصرية عن المطالبة بالسودان، ولكن النقراشى كان مبدؤه كمبدأ مصطفى النحاس « تقطع يدى ولا ينفصل السودان عن مصر » ولهذا رأى السفير أن توجه المذكرة إلى الملك وأن تكون شفوية وخاصة.

فقال المراغى: وهل تظن أنى أستطيع إقناع الملك بالتخلى عن السودان، وهو يباهى دائمًا بأنه ملك مصر والسودان.

قال لانسديل: هل تستطيع أن تتصور الفوائد التى يجنيها الملك فاروق من هذا العرض ؟ إن الجيش المصرى بتمكينه من الاستيلاء على هذه الأسلحة التى لن يستطيع أن يشتريها من أى بلد آخر فى العالم يمكنه أن يدخل مع القوات الإسرائيلية فى معركة حاسمة، وأن يهزمها ويصبح الملك فاروق ملك العالم العربى بأسره، ثم أضاف بخبث: لعل تسليح الجيش المصرى لآن يغطى الفضيحة التى تفوح روائحها عن الأسلحة الفاسدة.

وبدا للمراغى على الفور أنها مؤامرة انجليزية بارعة، لأن مركز الملك فاروق أصبح مفضوحًا على أثر معرفة الشعب بما جرى من صفقات مريبة وشراء أسلحة فاسدة للجيش بواسطة عملاء ينتسبون إلى حاشية القصر.

ولكن المراغى تساءل عن أسباب حرص الحكومة البريطانية البالغ على إبعاد السودان عن مصر، فأجابه الرجل بأن لبريطانيا مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة فى السودان، ولأن غالبية السودان لا تريد الارتباط بمصر والاندماج تحت علمها.

وهنا بدا الجد على وجهة ولم يره فى حياته يعبس جادًا وقال: أرجوك بل أتوسل إليك أن توصل هذه الرسالة إلى الملك. إنى على يقين من أنك تستطيع إيصالها، ونحن نريد عليها ردًا عاجلاً.

طفق مرتضى المراغى يفكر فيما يضيف ويقلب الأمر على كل وجوهه، وتذكر إن أغلب طفولته قضاها فى السودان، وكان طالبًا فى كلية غوردون وله صلات وثيقة بكثير من إخواننا السودانيين، وقد لمس أن أهل السودان، ولو كانت تجمعهم بأهل مصر روابط الدين بل روابط قرابة ونسب فإن الحكم المصرى الإنجليزى خلف آثارا سيئة فى نفوسهم وهم يريدون سيادة لوطنهم والبعد عن أية سيطرة، وكان لقب مصر والسودان لقبًا خلعته الحكومة البريطانية على ملك مصر ولم تمنحه السودان. والفوائد التى تجنيها الحكومة المصرية من تسليح جيشها فوائد بالغة الخطر ولا تقدر بثمن بينما السيادة على السودان مسالة أقرب إلى الأمانى والأحلام.

ووعد المراغى بتسليم المذكرة فى الغد إلى الملك.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »