رجائى عطية

من تراب الطريق (813)

شارك الخبر مع أصدقائك

مرتضى المراغي شاهدًا على حكم فاروق (22)

منذ أقال فاروق مصطفى النحاس فى 30 ديسمبر 1937، وحتى فبراير 1942، تعاقب على رئاسة الوزارة أربعة : محمد محمود باشا (37 / 39) ثم على ماهر (39 / 40)، ثم حسن صبرى (من يونيو إلى نوفمبر 1940) ثم حسين سرى من نوفمبر 1940 إلى فبراير 1942.

وجدير بالذكر أن سبب قصر ولاية حسن صبرى، أنه فارق الحياة أثناء إلقاء خطبة العرش بخطابه بافتتاح دورة البرلمان فى 14 نوفمبر 1940.

وكانت مصر قد بدأت منذ نهاية عام 1940، تعيش حالة حرب، وتتعرض للغارات الجوية تباعًا على الإسكندرية والقاهرة، وبدأ الموقف العسكرى فى شمال أفريقيا يتطور لصالح الألمان بقيادة روميل، وأسفرت كراهية الإنجليز عن مظاهرات تنادى بسقوط الإنجليز، بل وترددت هتافات تعلن : تقدم يا روميل.

أزعجت هذه المظاهرات الإنجليز، وقرروا اتخاذ إجراءات تؤمن لهم ظهرهم فى داخل مصر. وانتهى رأيهم إلى إسناد تشكيل الوزارة إلى رئيس وزراء له أغلبية شعبية تحبه الجماهير حتى تستقطب مشاعرهم المشتتة.
وبالطبع لم يكن هناك من يملك هذا غير مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد.

وقام السفير البريطانى سير مايلز لامبسون بإبلاغ فاروق رغبة بلاده فى أن يتولى النحاس رئاسة الوزراء. وفى يوم 3 فبراير1942 استدعى فاروق النحاس على أساس أن يطلب منه تشكيل الوزارة ولكنه بدلاً من أن يطلب إليه رئاسة وزارة وفدية فإنه طلب إليه تشكيل حكومة ائتلافية تضم مجموعة الأحزاب الموجودة فى ذلك الوقت، ولكن النحاس رفض عرض فاروق وخرج من القصر معلنًا رفضه أن يرأس وزارة تضم عناصر غير وفدية.

وفى اليوم التالى استدعى السفير البريطانى رئيس الديوان الملكى أحمد حسنين وسلمه إنذارًا جاء فيه «إذا لم أسمع قبل الساعة السادسة مساءً أن النحاس باشا قد دعى لتأليف وزارة فإن جلالة الملك فاروق يجب أن يتحمل ما يترتب على ذلك من نتائج».

لم يحدد الإنجليز فى الإنذار ما إذا كانت الوزارة وفدية أم لا، وإنما ذكروا فقط كلمة «وزارة» فالمهم هو أن يكون النحاس رئيس هذه الوزارة.

وأمام هذا الإنذار استدعى الملك رؤساء الأحزاب وكبار الشخصيات السياسية لاجتماع تم فى الساعة الرابعة مساء نفس اليوم (الأربعاء 4 فبراير) وعرض عليهم الإنذار فأعلنوا احتجاجهم وطلبوا إلى النحاس باشا الذى كان حاضرًا الاجتماع قبول تأليف وزارة قومية، ولكنه أصر على موقفه بعدم قبول تشكيل أية وزارة غير وفدية. فما كان منهم إلاّ أن يكتبوا احتجاجًا أعلنوا فيه أن توجيه الإنذار البريطانى إلى فاروق يمثل اعتداء على استقلال البلاد.

وأنه يجب على الملك ألاّ يقبل ما يمس استقلال البلاد.

حمل أحمد حسنين باشا رئيس الديوان نص الاحتجاج إلى السفير البريطانى فأجابه السفير بعد أن نظر إليه بأنه لا يعتبر ذلك ردًّا، وأنه سيحضر بنفسه لمقابلة الملك فى تمام التاسعة مساءً.

وقبل دقائق من وصول السفير البريطانى اخترق شوارع القاهرة طابور من الدبابات البريطانية اتجهت إلى ميدان عابدين ـ حيث يقيم فاروق ـ وأحاطت بالقصر.

ومن بين الدبابات التى تولت عملية الحصار اقتحمت دبابة أحد أبواب القصر المغلق وخلعته، وانساب وراءها عدد آخر من الدبابات أخذت مكانها داخل فناء القصر.

وبعد قليل دخلت من البوابة المخلوعة عربة السفير البريطانى مستر مايلز لامبسون يصحبه مستر ليتلتون وزير الدولة البريطانى والجنرال ستون قائد القوات البريطانية.

وبسرعة بالغة انطلق الثلاثة إلى حيث مكتب الملك، وبقدمه اليمنى ضرب السفير البريطانى باب غرفة المكتب فى عملية اقتحام واضحة.

كان فاروق واقفًا فى الحجرة يطل من نافذة على فناء القصر يشاهد تحركات الدبابات.. وعلى صوت الباب الذى اقتحمه السفير البريطانى وضربه بقدمه التفت فاروق ليجد مستر لامبسون يتقدم نحوه قائلاً :
ـ لقد كلفتنى الحكومة البريطانية أن أطلب منك التخلى عن العرش فورًا وأن تجمع حقائبك للسفر.
قال فاروق فى خوف : إلى أين ؟
قال السفير : جنوب أفريقيا.. ؟
كان فاروق فى ذلك الوقت فى سن الثالثة والعشرين.. وقد فوجئ بما حدث، بل لعله صُعق لهول المفاجأة وانعقد لسانه، ومضت لحظات صمت لم يستطع أن يقول فيها شيئًا، وأخيرًا نظر إلى السفير البريطانى قائلاً :
ـ سير مايلز لامبسون، إننى مستعد لإقالة على ماهر وسأجمع الزعماء المصريين على الفور لاختيار رئيس جديد للوزارة.

قال لامبسون بكل كبرياء :
ـ إن المسالة الآن ليست مسألة تعيين رئيس وزراء، إنها مسألة تخليك عن العرش..
عاد الملك فاروق إلى الصمت.. وأخذ ينظر إلى رئيس ديوانه أحمد حسنين متوسلاً إليه أن يجيبه، ولكن هذا الأخير ظل صامتًا ..

وبعد نحو دقيقة نظر فاروق إلى مستر لامبسون فى توسل بالغ يقول له:
ـ سير لامبسون ـ إننى أرجو التنازل عن طلب التخلى عن العرش، وأن تعطينى فرصة أخرى، وسأجيب جميع طلباتك.

قال لامبسون: لا.. ليس هناك فرصة أخرى يجب أن توقع الآن ورقة التنازل عن العرش.

وظل فاروق واجمًا.. ومرت عليه لحظة رهيبة لم يلاحظ فيها أن المستر ليتلتون تقدم نحو السفير وأخذ بيده إلى ركن من الحجرة وتبادلا الكلام همسًا..

وكما أصبح معروفًا فإن ليتلتون أمام مشهد فاروق طلب إلى السفير البريطانى إعطاء فاروق فرصة أخرى مادام سيجيب طلباته. وأجابه مستمر لامبسون بأن مثل هذا القرار يجب أن يعود فيه إلى رئيس وزراء بريطانيا مستر تشرشل الذى كان واضحًا أنه طلب إلى السفير إقصاء فاروق عن العرش.

وتم الاتفاق بين السفير والوزير البريطانى على إرسال برقية إلى رئيس الوزراء تشرشل.. وجاءت موافقة تشرشل مؤيدة رأى ليتلتون..

ونجا فاروق من التنازل عن العرش وعيّن النحاس رئيسًا للوزراء وفى نفس اليوم ذهب فاروق إلى زوجته الملكة فريدة فروى لها ما جرى مع السفير البريطانى.. وأخذ يبكى بكاءً شديدًا.
قالت له الملكة : خلاص.. لم يعد لنا مجال للبقاء فى مصر وخير لنا أن نرحل عنها.

قال فاروق، أبدًا إنك سوف ترَيْن غدًا كيف ستكون ثورة الشعب ومظاهراته ضد الإنجليز.

وعندما جاء الغد فوجئ فاروق بقيام المظاهرات.. ولكنها بدلاً من أن تثور على الإنجليز راحت تهتف بحياة النحاس وحياة مستر لامبسون.

وعندما ذهب السفير البريطانى إلى مجلس الوزراء لتهنئة النحاس باشا حمله المتظاهرون على الأكتاف !!
www. ragai2009.com
rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »