رجائى عطية

من تراب الطريق (789)

شارك الخبر مع أصدقائك

الفضاء وأسرار الكون (5)

إننا نولد لنعيش أعمارنا ، لكن لا نُصنع على أعيننا ، أو عيون آبائنا وأمهاتنا.. لا بمهاراتهم أو فنهم أو علمهم أو قدرتهم أو حصافتهم.. فهم بدورهم جاءوا للدنيا ولم يكونوا من قبل بتاتًا لدى آبائهم وأمهاتهم.. لا جسمًا ولا فكرًا ولم يَعُد ولن يعود لوجودهم أثر حىّ باق!.. بهذا العلم يعيش كل منا حياته! وهو على محدوديته لا يدركه أو يعلمه سوى الآدمى المتأمل ، أمّا ما دون الآدمى فلا يسأل نفسه أو غيره ممن دونه مثل هذا السؤال.. فنحن فى مستوانا فوق ما تحتنا وتحت ما فوقنا ، فهذه درجات خلق وليست درجات مخلوقين!

وطبيعى أن ننسى كل ذلك أغلب الوقت كأحياء منحوا الإحساس بالذات «الأنا» المحوطة بالتفاوت فى الأزمنة والأمكنة وفى المعارف والعواطف والشهوات.. والترقى أو الانحطاط فيها!

ونحن جميعًا فى هذا التغير والتقلب المستمر منذ وجودنا على هذه الأرض.. نتعرض للهلاك جميعًا إن زدنا فى الكثرة السطحية الغافلة مع نقص العدد الكافى الواعى منا لمقاومة الكثرة الحمقاء.. وحتى الآن توجد وتتكاثر الكثرة الجاهلة ، ويحذو حذوها قلة حمقاء تحاول أن تتكاثر.. تمضى الأمور عشوائية بغير نظام ولا ترتيب وتنسيق.. لأن الكثرة لا تثق فى كثرتها ولا تتدبر أو تتصرف إلا بعشوائية لا يمكن أن تعيد الأمور إلى اعتدالها وانسجامها كما كانت من قبل فى الماضى القريب أو البعيد!

ونحن عادة لا نحسب حساب الأقدار ، وحسابها غير حسابنا الساذج الوقتى.. ولو لاحظنا بعضه وهو كل ما يمكننا لعرفنا طريقنا وسرنا فيه بلا عوج.. وربما كان التعرض للاعوجاج من خصائص الاختيار وإمكاناته التى يشعر بها كل منا فى نفسه صغيرًا كان أو كبيرًا. وهو مجال وميدان مفتوح أمامنا معظم الوقت لاستعمال ما نسميه الإرادة ومعنى أوسع نسميه الحرية.. فالإحسـاس بالاختيار يولد الإرادة والإرادة قد تصل بنا إلى الحرية، والحرية تحتاج إلى عقل وفهم وأمانة. أما الحرية المعتادة النسبية للأفراد فى الأمم والجماعات فى الماضى والحاضر هنا وهناك.. فهى دائمًا خاضعة بالخضوع اللازم الملازم من قرون ودهور لحكم حاكم منفرد أو متعدد.. فرعونًا أو خاقانًا أو سلطانًا أو ملكًا أو أميرًا أو رئيسًا أو هيئةً أو رياسةً.. يتبع ذلك سيل لا ينتهى ممن هم مرءوسون لمن فوقهم ورؤساء لمن تحتهم تدريجيا إلى آخر شيخ فى نجع ناءٍ يحكم أهل النجع بصورة ما حكمًا صارمًا أو مائعًا لخاضعين طيبين مستسلمين أو ماكرين فى الأغلب الأعم.. إذ لم ينقطع الخبث والدهاء والمكر والأنانية قط فى أفراد الآدميين منذ أن وجدت جماعة تجمعهم يعيشون فيها ومعها وبها كلٌّ نفسه وذويه.. إذ الآدميون منذ وجدوا تتنازعهم وتتأرجح فى داخلهم نوازع الخير والشر معًا ، قد يغلب هذا أو ذاك ، ولكنهما لا يتعادلان.. إذ لا يعيش كل فرد خيّرًا دائم الخيرية إلى أن يموت ، ولا شريرًا يفرز الشر فى كل لحظة إلى أن يزول.. فكفة ما فى داخل كل منا قد يغلب عليها فى حياتها الخير فى الجملة فينفع وينتفع ، وقد يغلب عليها العكس فى الجملة فيؤذى ويُؤْذَى.. ذلك أن الجماعة البشرية لكـى تبقـى بتوالـى أفرادها وزيادتهـم لا تستغنى عن حد معقول من التناسل والتكاثر، وعن حد معقول من وجود التعاون والألفة بين معظم أفرادها، لأنه إن اختل وجود هاتين النعمتين اختلالاً جسيمًا زال توازنهما ، وبادت الجماعة بسلوك أفرادها ، كما تبيد بكارثة طبيعية أو تبيد بغزو من جماعة أخرى أقوى وأغلظ وأشد شراسةً وجشعًا وخبثًا!

* * *

التأرجح بين الصفاء والعداء موجود بين الجماعات منذ وجدت.. لأنها مجاميع آدميين يفصل بين كل منها فواصل عميقة.. عرقية خلقية مادية ومعنوية وإقليمية وتاريخية.. ربما تذوب هذه الفواصل فى مستقبل ما إن اتسع مجال الحياة المعقولة لكل آدمى ، واختفت الحاجة والطمع والأنانية ، ونسى الآدميون الغرور وتوابعه!

ومع اختلاف الأنا اختلافًا مؤكدًا فى كل آدمى.. نجد أن التقارب لا يكف تكوينه كما لا يكف التباعد أيضًا.. ونرى أن محاولات التصاق الأحياء بأمواتهم ومعارفهم محاولات أقرب إلى السطحية.. لأنها تذكارية لا تعدو محاولات الأحياء تذكر الماضين من الأقارب والمعارف.. أغلبها إما استحسان وإما عكسه وكلاهما لا يخلو من العواطف السطحية أو المغالاة!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »