رجائى عطية

من تراب الطريق (781)

شارك الخبر مع أصدقائك

الاعتياد البشرى ليس ثباتًا كما تصوره ويتصوره أكثرنا.. وإنما هو تصوير لتأن وترتيب مستمر.. قد يميل وقد يستقيم.. يميل إلى الاسترخاء ويبالغ فيه، وإلى الشدة ويتمسك بها مخافة الضياع.. ويستقيم لكى يتقدم النوع منتقلا إلى طور للآدمى مخالف لسابقه مخالفة تكون تارة غامضة لدى أغلب الناس، وتارة مكتسحة فى وضوحها لا تخفى إلاَّ على العنيد الشاذ.. لأن الآدمى كائن حىّ أكثر من حياة الأحياء الأخرى التى تعيش على هذه الأرض.. لا يكف هنا وهناك عن التنقيب والحرص على الانتباه فى هذا أو ذاك مما يراه.. ولأن الآدمى حتى الآن لم يشعر شعورًا حقيقيًّا بالكون إلاَّ نادرًا.. ولم يفهم حياته فهمًا حقيقيًّا إلاَّ نادرًا أيضًا.. فلم يعرف فى تقدمه وتطوره أنه فى دنياه وقتى.. يعيش فى وقتيات من تركيبة لا أول لها ولا آخر بخلاف الحيوان والنبات !

فكل ما يصل إليه من حواسه وعواطفه وعقله وآماله ومخاوفه مرئية أو خفية.. قصيرة الآن أو طويلة فى الماضى والحاضر والمستقبل.. بسيطة أو معقدة.. فردية أو جماعية.. على سطح الأرض أو فى أعماقها أو فوقها أو فى جوها أو فى الفضاء الواسع.. حصاد ما يصل إليه الآدمى من هذا كله ماهو إلاّ تركيبات بشرية لدى البشر.. تتراءى فيها باستمرار تعرجات وتغيرات وتطورات الأجيال جيلاً وراء آخر.. فيها أعمال وجهود وأطماع ومكاسب وخسائر ومحاولات، ومعها أحيانًا إبداعات وعجائب.. تتخللها حماقات ومخاوف ونكبات لا تفارق حياة الآدمى إلى يومنا هذا.. فلم ينجح البشر بعد ـ فى إيجاد الوعى الدائم الاتزان داخليًّا وخارجيًّا لدى أغلبية الآدميين ! وتاريخنا لم يدون بطريقة أو أخـرى إلاَّ مـن قرابة خمسة أو أربعة آلاف سنة.. تجرى تقاسيمه بين التاريخ القديم والتاريخ المتوسط والتاريخ الحديث.. غير ما اصطلحنا على تسميته بعبارة « ما قبل التاريخ »..

اقرأ أيضا  عجز ربان تركيا عن قيادتها وسط بحيرة من العزلة

والحضارات لم يعرفها التاريخ البشرى بطريقة أو أخرى إلاَّ من خمسة أو أربعة آلاف عام.. على حين أنه تبين الآن أن وجود الحياة على هذه الأرض قد بدأ من نحو مليونى عام أخذًا بالمعلومات الأثرية العلمية التى يتداولها اليوم الآثاريون.. فالتاريخ الذى معنا بقضه وقضيضه قديمه ومتوسطه وحديثه ـــ نهايات لا بدايات ـــ تنبه إليها الآدميون فجأة بعد نوم عميق طال مئات الآلاف من السنين !

وربما كان ما يبدو لنا على هذه الأرض نهايات أخيرة لا مفر منها، ما هو إلاَّ بدايات للبشر لكى ينتشروا من الأرض إلى الفضاء العريض الواسع جدًّا بكواكبه الهائلة والمتوسطة التى تتبع شمسنا مع هذه الأرض التى تبدو الآن غاصة بالأحياء حيوانًّا ونباتًّا لا تستقر على حال أو نظام !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (939)

وقد استقر واتضح الآن التفات الدول المتقدمة بالغ التكلفة إلى الفضاء الواسع برحلات منظمة دورية بمركبات خاصة شديدة الدقة فى التركيب تؤدى وظائفها ذهابًا وعودة إلى الأرض بروادها المتخصصين.. ينظمها على الأرض هيئات ومعامل ومصانع فائقة الاقتدار.. واسعة الموارد موصولة العمل نهارًا وليلاً.. مأجورة بأجور سخية لم تُخرج أصحابها من مألوف الناس فى معاشهم وحياتهم وعاداتهم ومعتقداتهم وبما فى طبائعهم من الأنانيات والسطحيات !

ومنذ قرنين أو ثلاثة لم يعد هناك توقير لأماكن العبادة، أو للمنفردين بعيدًا للتعبد والنسك إلى آخر أعمارهم.. إذ ضاقت دنيا الناس بجماعات النسك والرهبنة، وقل جدًّا من يهتم بالمبتعدين والمعتزلين، وتزايد الاستخفاف بالمتدينين لابتعاد أغلب الخلق عن الالتفات الجاد للدين والتدين.. وبات ذلك لا يراعى إلاَّ ضمن احتفالات الأعياد والمواسم العامة، وغطت وطغت دنيا البشر على حياتهم جادة فى تقديرهم أو غير جادة.. حتى احتفالات المآتم.. تغلبت فيها الثروة والوجاهة السوقية.. فلم يعد الآدمى يخشى فى عصرنا هذا قلة التدين أو إنكاره.. ولم يعد يوجد فى القرون الميلادية الثلاثة الأخيرة خوف دينى أو رهبة روحية.. لأن دنيانا باتت ومازالت ــ عالمًا دنيويًا يتنازعه البشر أفرادًا وجماعات فى كل جهة.. صغارًا وكبارًا وذكورًا وإناثًا ــ علماءً ومهرةً وأوساطًا وعامةً وسادةً ورعيةً.. وبات الكل يضيع عمره فى الأنانية وفى التطاحن بلا حدٍ، فضاقت الأرض الآن على الناس إلى حد لم يسبق له مثيل من قبل.. وهو بلاء لم تستطع الحكومات إخفاءه.. كبيرها وصغيرها.. ولم تقدر بعد على إطفائه بما لديها ماديًا ومعنويًا.. كما لا يمكن أن تقوم به الشعوب التى فقدت القدرة المستمرة على التساند والتماسك، واعتادت بعدهما على المنافسات والمقاومات والخلافات والخصومات والانقسامات والدسائس.. وهذه الشعوب بحاجة شديدة إلى تغيير ذلك تغييرًا جذريًا يمكن تحقيقه ـ بمقاومة فعالة جادة ومكثفة اقتصاديًا وعقلانيًا لمقاومة مغالاة وجشع الأنانية والطمع وميلهما أحيانًا غير قليلة إلى التدمير والتخريب الذى قد يجر أسوأ العواقب على الجنس البشرى كله..

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (938)

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »