رجائى عطية

من تراب الطريق (780)

شارك الخبر مع أصدقائك

أقصى ما يمكن للآدمى أن يتمناه، بما معنا الآن من العلوم والأخلاقيات ــ هو اكتشاف قوانين وعلاقات وإدراك حقائق فى اتساق مع ما هو أفضل منها.. قد تتنبه إلى ذلك العقول لأنها ليست سببًا ــ وإنما عثورًا وانتظارًا للمقادير. إذ الإرادة البشرية ليست سببًا قط لإيجاد الأسس والنتائج، وإنما التيقظ إليها وحسن الحظ فى الوقوف عليها فى تحرك القوى الطبيعية لمصادقة الموهوبين من البشر.

ويبدو أن البشر، شأنهم شأن الأشياء والأحياء الأخرى فى الكون.. هذه الأشياء نتائج ومركبات للجهد الطبيعى، بيد أن جهود البشر تحصى مع إرادتهم الواعية. وهذه مجرد علاقة بجهدهم الممكن.. فإن كانت نتائجه سعيدة الحظ كان وعده مفرحًا.. لأن كل ما يوجد فى حياة الآدمى عرضة للمقادير.. حتى الأفعال الإرادية.. هى مهما كان دور الإرادة فيها، عرضة بشكل أو بآخر وبنسبة أو بأخرى للمقادير!

والآدمى كما يكون مليئًا بالقدرة، يكون أيضًا مليئًا بالعجز.. هو فى زمنه عرضة دائمًا لهذا وذاك.. لا يستقر قط على حال.. يتأرجح تارة بين انطلاق وعلو الأمل، وتارة أخرى إلى بؤس وحيرة والتباس !

فطبيعة البشر لا تعرف الكمال، وحاجاتهم تتحول دائمًا إلى رغبات، والسماح والعفو لديهم والنسيان أقرب من الفهم الصحيح الذى لا يبالى معظم الناس بقيمته. لم تتمكن أغلبيتهم الغالبة جدًّا حتى الآن من الانتقال من الفهم السطحى الناقص، إلى الفهم المتكامل الصحيح.. وذلك لانغماسها الشديد فى العواطف والأهواء.. هذا الانغماس الذى لا يسمح ولا يعطى فرصة حقيقية للهدوء والاعتدال والرزانة واحترام العقل والفطنة !

فالمتناقضات الدائمة فى وعى وضمير الآدمى ـــ طبيعة دائمة الحدوث بسبب ذلك الانغماس العاطفى الشديد.. يبدو الآدمى فيه ليس إلاَّ قطعة من قطع الطبيعة الهائلة المتحركة.. يجتهد بدوام التحرك أن يبقى حيًّا وأن يحفظ لنفسه توازنها المدرك أنه لو استقر ما احتاج إلى تغذية ولا نمو ولا إحساس !

ومن المحال ثبات التغذية نوعًا ومقدارًا طوال عمر الآدمى.. لأنه كائن حى دائم التغير الواضح فى تكوينه المفروض عليه.. يخالف باقى الأحياء من ميلاده إلى أن ينتهى وجوده فى الدنيا.. رضى أم أبى. لا يتوقف تغيره إبان عمره، فى صحته ومرضه وصحوه ونومه وفى ظروفه جميعًا.. يجرى عليه ذلك بارزًا كان أو غير بارز، ويستمر جريانه عليه إلى أن يرحل عن الدنيا !

فقد جاء كل آدمى، شأن كل المخلوقات من الحيوان والنبات ـ جاء بقدرة الله تعالى وخلقه له من العدم، لينتهى إلى رحيل محتوم عن دنياه.. فى خلال رحلته فيها ــ تحفظه « الأنا » وتصاحبه وتقوده ما عاش على التزام هواها فى الأغلب الأعم، وقد تنفعه إن فطنت إلى رشد العقل ! وكثير الكثير ما آذته وتؤذيه إلى اليوم بإصرارها على التزام أهوائها التزامًا ساد للآن كل مكان فى الأرض، وبات صعب العلاج مع تراجع الأخلاق التى أهملها التعليم، وسيادة الطمع والأنانية، وعشق وتصيد المال بالبهرجة والادعاء وانعدام المبالاة بالأمانة وفقدان الاهتمام بمصير البشرية الذى لاحت للعقلاء المخاطر المحدقة به واستبانت للعيون اليقظة!

ربما لم يعد هناك رجاء اليوم لا فى كثرة التناسل ولا فى ضبطه أو قلته.. لأنه خرج عن معناه ورسالته، ولم يعد جادًّا يتغيا إقامة الأسر وحفظها من التمزق والعداء. لذلك ذوت وهانت القرابات فى كل مكان !

وما أصاب التناسل ــ أصاب أيضًا الصداقة والزمالة. نسى الناس المعانى الجادة التى كانت لهذه الاصطلاحات، وضمرت قيمتها التى كانت فى الماضى، وضاع مع سيادة الماديات وغروب العقل ـ ضاعت الوشائج المعنوية، وانسحقت النفوس أمام السرعة التى غمرتها ومعها العقول التى تخدمها، ووهنت العلاقات الإنسانية بداخل الأسر بعامة، وطالت فيما طالت العلاقة بين الزوج وزوجه، فضمر أو تلاشى معنى السكن والعشرة، وانعكس هذا الوهن على علاقات الأبناء بالآباء والأمهات، وهانت مع أفول العقل والوشيجة ــ معانى الأمومة والأبوة، وأخذ عقد الأسرة الإنسانية ينفرط إزاء زحف المال والماديات، وتوارى أو انسحاب دور العقل!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »