رجائى عطية

من تراب الطريق (774)

شارك الخبر مع أصدقائك

ما تحدث به الأنبياء عن قرب مجىء الآخرة، أو عن زوال الدنيا ــ ليس دعوة للموت أو الجمود، وإنما تقريب وتوكيد وتحقيق لرسالاتهم الشريفة لمن كان حول كل منهم من التابعين، وأولئك الكبار بشر، سمت بشرية كل منهم إلى حدودها العالية دون أن تتجاوزها.. وذلك بحساب وتقدير الحكيم العليم جل شأنه.. أولئك العظام شديدو الإخلاص والتصديق والإيمان به سبحانه وتعالى.. محصورون فى آدميتهم وعمر كل منهم وزمنه الذى لا يتخطاه ولا يدرى مستقبل أهله فى آتى زمنه وموقعه وتغيراته وتطوراته.. هذه التطورات المتغيرة التى لا يحيط بها أصلا وفصلا إلاَّ العلى العظيم خالقها بداية ونهاية.. لأن عصور الأنبياء الكبار فى أوقاتها بدايات مأمولة النمو والزيادة والتقدم باستمرار فى كامل عصورها وأزمنتها وأمكنتها.. إذ لم ينعقد عالم الأزمنة والأمكنة فى الكون العظيم بقدرات أعلام الأنبياء ــ ولا بآمالهم وآلامهم.. لأنهم إلى أن فارقوا الدنيا ـــ عبيد الخالق جل شأنه.. لا يعصون الله ما أمرهم ولم يعصوه.. وما جاء على ألسنة كل منهم فى شأنه ـــ عز وجل ـــ قليلاً كان أو كثيرًا ـــ لم يجاوز قط قدرة كل منهم كآدمى مؤمن صادق الإيمان إلى أقصى حدوده ـــ تعبيرًا منه هو عن رسالته المجيدة إلى أهل زمانه..

أما ما تلا ذلك من الأزمنة مما يعرف بعضه الآن من المؤلفات التى ملأت المكتبات فى أزمنتها من أفكار وتحاليل وتفاسير وانتقادات واختلاقات واتباعات وتوكيدات وانقسامات وتعصبات وعداوات لا أول لها ولا آخر.. إنما جرت كلها اسماً لا جسمًا تحت ظلال هذا الدين أو ذاك، أو هذه الملة أو تلك.. وجرت رفضًا وتقييمًا وتشكيكًا.. لا تقاربًا وتوافقًا وتماسكًا.. فالأديان الكبرى كلها تقريبا فرق منفصلة منعزلة لا يجمع كلا منها سوى الاسم العام للملة.. فلا قيمة مجدية فى الماضى أو الحاضر لاجتماعات فرق هذه الملة أو تلك، كما لا قيمة مجدية فى الاجتماعات التى تضم فرقًا أو طوائف من الأديان المختلفة فى الحاضر أو فى الماضى.. فهذه جميعًا لياقات بنت وقتها فقط، لا تربط عهداً أو قاعدة نافذة تقيد أطرافها. والآن قد وهن كثيرًا أثر وتأثير الأديان والملل والنحل والفرق والطوائف ـــ كلها دون تفريق أو تمييز ـــ فى عالم هذه الأرض.. هذا العالم الذى بات يستند إلى القدرة الدنيوية الحديثة المدمرة برغم أنه يعيد ويزيد فى أنه مازال إلى اليوم والغد يدين بهذه الملة أو تلك أو هذا الدين أو ذاك.. على حين أنه جاوز حقيقة التدين وفارَقَ معنى التعبد من عشرات السنين.. وربما من مئاتها!.. فالتدين والتعبد الجدى لم يعد له وجود فى معظم الأوساط لانقضاء معالمه الحقيقية، وقد حل محلها الآن حركات هينة وخفيفة خالية من أى قصد جاد عميق فى مقام أو مسجد أو زاوية أو كنيسة أو كنيس (متعبد اليهود) أو دار.. فلم يعد يقود هذه الأمكنة أو يخلص من أجلها متدين صادق جاد إلاّ نادر النادر.. هذا النادر الذى تهيّأ له وحده إمكان التعبد العميق الجاد لمعبوده لشدة اعتقاده باتصاله المباشر بخالقه ـــ عزّ وجل ـــ دون حاجة إلى ولى يقوده ويهديه كما كان ذلك معتادًا فى الماضى من الزمان!

وبعد نهاية الحرب العالمية الأخيرة تضعضع الحكم الحزبى فى البلاد المتقدمة.. فلم تعد الجماعات الراقية تؤمن بما كان السابقون يؤمنون به من المبادئ والأصول والقواعد المتفق عليها إذ ذاك فى الحكم لدى الأحزاب السياسية المعروفة.. لأن المجتمعات التى ظهرت فى تلك البلاد بعد تلك الحرب ـــ لم يسبق لها من قبل مثيل فى شعبيتها وأنانيتها وانتهازيتها.. وفيما يبدو لم يعد الآن فى كامل مقدور الدول المتقدمة إيقاف هذا التضعضع وامتداده فى باقى العالم حيث انتشرت الفاقة ومعها الجوع والهلاك.. فعم ذلك أقطارًا بأسرها فى أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وبقاعًا فى شرق أوروبا، وانكمش ذلك التقدم الذى بدا هائلاً لعشرات السنين، وفقد ثقته فى نفسه وفى غيره مما كان قد لاحَ فى وقت ما من نجاح اقتصادى فى شرق آسيا شماله وجنوبه.. إذ ظهر خلل فى وجود الثقة العامة وصلابة التعامل واستقامته. فالآن لا تعرف الجماعات المتقدمة فى القارات فعلاً ويقينًا أمن وسلامة طريق كل منها فى اليوم والغد.. فهى فى قلق يتزايد كل يوم.. لا تعرف التخلص منه ولا تدرى متى يمكنها أن توقفه.. فنحن فى عصر عجز الأقوياء عن مقاومة البلاء العام مقاومة رادعة فعالة أكيدة.. فالكرة الأرضية كلها تعانى الآن متاعب ومخاوف لم يسبق لها مثيل من قبل.. لا تقوى البشرية بعضها أو كلها على مواجهتها حتى الآن بحزم، ولا تدرى الجماعات المتقدمة القوية مع تورطها المتشعب ومشاكل كل منها التى لا أول ولا آخر لها ـــ لا تدرى حقيقة ما يجب عليها ـــ من الإفاقة والتنبه إلى مواقفها الحالية القلقة المليئة بالأطماع السياسية والمالية والتنافس عليها.. هذه المنافسة الضروس الفاشية فى جميع طبقاتها اعتقادًا وانحيازًا لمصالحها.. فلا وجود لاتحاد صلب حقيقى واضح دائم.. لا فى الجماعات القوية المتقدمة ولا فى الجماعات الأخرى، وإنما وجدت جماعات فيها قلة حاكمة قليلة العدد ضخمة التسلط والاعتداد.. تقود الكثرة الكاثرة بمظاهر القوة والإخضاع والاستسلام والاستضعاف.. جرى ويجرى هذا منذ الأزل حتى اليوم.. ولم يتغير أبدًّا حكم القلة على الكثرة قط، وإن اختلفت مع اختلاف الأجيال والأزمنة ـــ صور وأشكال القوة والسلطان وصور الإذعان والطاعة والحاجة وعدم المبالاة باليوم والغد والخير والشر والإفلات والعقوبة !

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »