رجائى عطية

من تراب الطريق (768)

شارك الخبر مع أصدقائك

منذ خلقنا ونحن دائمًا أفراد مختلفون عواطفنا محوطة بالأسرة والقرابة والصداقة.. وهى علاقات قديمـة باقية إلى اليوم، ولكنهـا ضعفت ووهنت وخفتت فـى عصرنـا.. ولم يزد عليها حقيقة إلا العلاقات المؤقتة الاجتماعية والاقتصادية المعهودة فى مجتمعاتنا.. واهتمام الأفراد فى كل جماعة بهذه العلاقات صاخب عالى الصوت فى الصحف والكتب والاجتماعات والمدارس والمعاهد والإعلاميات بأنواعها وألوانها.. لكنها هشة دائما على أرضنا.. لم تقو قط على تأكيد وتوثيق وإحكام علاقاتنا الاجتماعية والاقتصادية الموجودة فى كل جماعة بحسب ما هو معترف به فى زماننا السطحى الخالى من الجد والاجتهاد والرشاد الفعلى الصادق العميق.. إذ دائما وراءه أنانية ودهاء ومكر وطمع الآدمى.. هذا الطمع الذى تردت آلاف مراته بل ملايينها ـ فى بدعه وحيله قرونا ودهورا حتى يومنا هذا.. فبات الجيل الجديد السائد لمئات السنين تقليدا عاما لدى الشمال والجنوب والشرق والغرب.. لا ينكره ولا يخالفه أحد تقريبا.. قويا كان أو ضعيفا.. عالما أو جاهلا.. متقدما أو متأخرا فيما هو بزنته وعلمه وتقديره عند الآدميين.. فما يعانيه البشر اليوم أقوياء أو غير أقوياء فى أرضنا.. هو أشد من كل ما عاناه الناس من قبل.. وهذا البلاء قد هزم الآدميين فعلا أغنياء وفقراء فى كل مكان عدا المغامر والمقامر والخاطف والزائف والمجازف.. وهم لا يبالون إلا بما يرجون ويطمعون إلى أن يفارقوا دنياهم المحصورة فى الجرى وراء ما فى الأيدى أو ما يظنون أنها كذلك.. إذ شغلوا أنفسهم واختصوها بالترصد والانقضاض لا يشغلهم غيره إلى آخر العمر.. كأنما أطيافهم فى مواظبة دائما لا تنقطع.. قد يشغلهـا الانقضاضيون الجدد الذين لا يتوقف سيلهم بل يتزايد بتزايد المقلدين الـذين انقادوا ـ وهم كثرة ـ إلى التقليد والمحاكاة بالاتباع والانضمام والمعايشة مع جيلهم فى سطحيته وغروره البليد.. فغالبية البشر فى الماضى أو الحاضر مع ما يسمى التقدم أو التأخر، يقوم على سطح الوجود الوقتى القصير العمر فى سعة هذا الكون، دون تركيز أو تركيب أو فحص أو عناد أو إصرار مخلخل دائمًا، مع تكرار اللغات واللهجات لاستمرار خلخلة الأجيال والأسر والأفراد دون أى تماسك يزيدها تساندا بل يفك باطراد قراباتها وأصول روابطها على الدوام.. إذ الانفراد سائد دائما حديثا وقديما، لدى الآدمى الحى وحده، دون الجماعات التى لا تتحرك إلا ابتداء من قيادة الأسر ثم من الطوائف ثم إلى ما فوق ذلك حتى الأمم والدول فيما يهـم هذه القيادات على حسب زمان ومكان القادة!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (942)

* * *

القادة على اختلاف درجاتهم صعودا أو نزولا، قلما توصد قلوبهم وعقولهم على استقامة وأمانة، بل يتوخون مقاصدهم الشخصية والعملية الموافقة فى نظر كل منهم لأغراضه فى زمنه ومكانه، ذلك لأن السعة والقصد الشخصى لدى هذا أو ذاك، دائما مراده مكرس فى القيادة المتاحة له فعلاً.. هذه القيادة التى يصحبها بين وقت وآخر أمل قريب أو بعيد لما هو أسمى.. وقد لا يبوح به للغير إلاّ نادرًا!

اقرأ أيضا  السلام البارد من القمة.. منقطع الجذور

علما بأن أغلب أفراد البشر قادة وغير قادة ـ لا ينظر كل منهم أولاً إلاّ إلى نفسه هو.. وإلى مكاسبها المرجوة فى مستقبله المأمول أن يكون قريبا ما أمكن، فالآدميون انفراديون فى طول حياة أى منهم.. بالغًا ما بلغ من القيادة أو الثروة أو المعرفة أو العلم أو الدين أو الأدب أو الفهم.. هذه العناصر التى قد يزيدون فيها على غالبية العامة المعرضة فى كل وقت للبطالة وهى زوال الرزق الحلال للأسر!

اقرأ أيضا  عجز جماعة «الإخوان».. عن مقام الدعاة وحكمة السياسيين

فالآدميون حتى الآن من أول الدهر بسطاء بساطة ساذجة.. أهم ما يعنى آحادهم من الأشياء والأغراض، نفس كل منهم وأسرته.. لا يبالى فى حياته الدنيوية القصيرة بالكون الهائل.. فالتفات البعض الآن بجد وحزم وعناء، ربما يكفل ـ إن استمر واطرد وازداد ـ تغييرا غير مسبوق، وربما ينقل الآدمى نقلاً كليًا من الانحصار فى حضن الأرض بسطوحها وأعماقها المتاحة، إلى ما لا حد له مما نتصوره الآن!

وما يمكن أن يتصوره أغلبنا اليوم هو هل سيتبقى الآدميون بعدنا ؟ وإلى أى مدى على هذه الأرض بحالتها وحالة آدمييها ؟ وهل سيتاح لهؤلاء أو أولئك نصيب واسع شاسع مما فى الكون، ينسيهم الشعور الحالى الشديد بالضيق الذى نعانيه وتعانيه أرضنا..

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »