رجائى عطية

من تراب الطريق (763)

شارك الخبر مع أصدقائك

لم تكن التحولات التى طالت البشرية عبر القرون، محض نقص أو زيادة فى الأعداد أو فى رقعة ما يعيشـون عليه، وإنما طالتها تغيرات متراكمة عبر السنين فى التركيبة النفسية والعقلية، فلم يعد آدمى اليوم هو بنفسه ووجدانه وعقله ــ آدمى الأمس وإنْ احتفظ بشكله ورسمه، ويستطيع من يتابع ويدرس ويتأمل أحوال المسلمين من نهايات عهد الخلفاء الأربعة الراشدين، أن يدرك أن الناس لم تعد هى الناس التى عاصرت زمن النبوة والخلافة الراشدة، وصار فى المسلمين من ابتعدوا قليلاً أو كثيراً عن الإيمان.. ومع شيوع التباكى والتشدد والتمدد بين العامة، فإن المؤمنين الذين التزموا حقيقةً بجوهر الإسلام، كانوا قلة إزاء الكثرة التى انشغلت بالظواهر وانصرفت بها عن إيمان المؤمن وعلاقته النزيهة بخالقه سبحانه وتعالى ومخلوقيه.

ويستحيل على أى قوة مهما كانت، أن ترد الحاضر بما وَرَد عليه إلى الماضى، لأن الحاضرين غير الماضين، والتحولات التى طالت صفحة تكوين الآدمى، انعكست بالضرورة على مرآة نفسه ورؤية عقله، ولم يعد مسلم اليوم هو مسلم الأمس.. حدث ذلك فى كل العصور، فالذين عاصروا الإمام علىّ، لم يعودوا ذات الأشخاص الذين عاصروا زمن النبوة وزمن الشيخين أبى بكر وعمر، ولو كانوا هم هم لم يتغيروا بتغير ما حولهم وما طرأ عليهم، لقبلوا من الإمام علىّ ما كانوا يقبلونه من الفاروق عمر، ولكنهم لم يقبلوا لأن الدنيا لم تعد هى هى ذات الدنيا، ولا عادوا هم ذات الأشخاص الذين كانوا بالأمس. ولذلك فسيطرة مسلم اليوم على مسلم غيره، هى محض ادعاء واهم، ينتقد ويكفر، ويفترض سطوة لنفسه على شخص أو أشخاص آخرين غيره، بلا تفويض ولا سند لافتراضه الذى لا يمكن أن يحـفل به عاقل !

والمتأمل فى التاريخ، سوف يرى أن الإيمان الحقيقى النظيف، لم يتحقق إلاَّ فى أقل القليل من الزمان.. ولم يتكرر بعد زمن النبوة والخلافة الرشيدة، إلاّ لدى نادر النادر.. غَرَّ الناس وصرفهم عن إدراك هذا الواقع، أنهم يزحفون ويحيون فى هذه الدنيا وقد غرّهم وأسكتهم توالى أجيالهم دون أن يعرفوا من هلك منها، ولا حقيقة أخبار من عرفوا من الأجيال التى تعاقبت وتغيرت !

والبشر لم يكونوا قط نُسخَاً متطابقة، فهم من قديم الزمَن أنواع.. تتشابه وتختلف أفراد كل نوع منه.. قد يزيد التشابه وقد يقل، وقد يختلف الفرد عن سواه كل الاختلاف.. يحدث ذلك بلا إرادة آدمية، لأن “الأنا” فى كل مخلوق تنفرد بذاتها مهما اشتدت القرابات.. وقد انتشرت فى زماننا وتداخلت الأنواع وألوانها مع اختلاف الأسر والزواج والنسل وسهولة الاختلاط والانتقال، وهو اختلاط يجارى السطحية الغالبة التى ملأت وتملأ ملايين الأشياء اليومية من البيت والمدرسة والمعهد والعمل والرياسة والمال والإدارة والزيارة والنزهة، وعكس ذلك كله من الأمراض والعوارض والمحن، فانتقلت آدمية الآدميين فى زماننا ـ بسطحيتها الشاملة ـ إلى أنانية جشعة بشعة، يتحصن بها الغنى، ويتحسر بها الفقير، ويعيش الفريقان فى غيبوبة كاملة بين النقيضين المتخاصمين فى كل حين، استتارًا أو جهارًا !!

فعالم اليوم بسطحيته الهائلة، وانتشارها فى كل مكان مع توالى المواليد والأموات، قد أوجد للبشرية عالمًا آخر لا تدرى نهايته، ظنت أنه تابع للعصور السابقة، فى حين أنه عالم مختلف قد أسقط تلك العصور ورفضها كلية وتخلى عنها ـــ إلى دنيا جديدة حاضرة لم تعرفها البشرية فيما مضى، وهى الآن تعيش فى اختلال تام عام تحاول أن تمسك باليوم دون الغد الذى لا تتصور حقيقته أو تعرف بأية كيفية أو أسلوب سيكون عليه هذا الغد القريب ناهيك بالبعيد !

فلم يعد البشر يفكرون تفكيرًا حقيقيًا فى مستقبل جاد وحقيقى مما يتصوره ويرجوه العقلاء.. إذ دنيانا دنيا خيالية بنت زمانها المضطرب المتخاصم التائه.. لا تأمن أفراده ولا جماعاته على قرار ثابت أو حكم صائب مُتّبع ومرضىّ عنه فى زمانه ومكانه.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »