رجائى عطية

من تراب الطريق (754)

شارك الخبر مع أصدقائك

الاعتياد هو المحور الذى يدور عليه استمرار حياة كل حى، ومن صوره عادة تفضيل الكسل لدى الكثيرين من أهل الأرض.. إذ الكسل ميل إلى الراحة من كل ما فيه جهد وكد.. وهو يتخذ صورتين : صورة ساذجة تقابل من معظم الناس باللوم والاعتراض، وصورة معقدة تستظل بظل اليسار وانعدام الاحتياج.. وهذان قد يعدان قدرًا للراحة والهرب من الكدح والاجتهاد.. وهو مشهور ملحوظ فى اجتماع المال فى يد أخرى خلاف اليد التى شقيت فى جمعه.. ومشهور ملحوظ فى الطبقات الموسرة القليلة العدد نسبيا التى نبت لديها على هذه العادة عادات أخرى من الترف والأناقة فى المسكن والملبس والمأكل والمشرب ومن الالتفات إلى المصايف والمشاتى والرحلات والرياضات ومن الاقتناء والشغف بكل ما يعتبر فى نظرها غاليا ثمينا يميزها عن العاديين الكثيرين.. وهو تميز قديم الجذور جدًا قدم الجماعات البشرية كلها.. فصل ويفصل بين الأثرياء وغير الأثرياء فى معظم وجوه الحياة المادية والمعنوية، وخلق أنواع وألوان الانتهازيين والمتسلقين المحدثين الذين بذلوا ويبذلون كل شىء ليتصلوا بطبقة الأثرياء أو يلتحقوا بها، وكرّسوا حياتهم كلها لهذا المسعى المقدم عندهم على كل ما عداه مسوقين فيه باللدد والحقد أو بالشعور العميق بالنقص والحاجة الملحة إلى تصحيح الوضع. أو بذلك كله مجتمعا.. ومازال البشر يعايشون الكسل عن طريق أو آخر ويؤثرونه ويحسدون القادرين على اصطحابه وملازمته دون أن تلزمهم ضرورة أو حاجة إلى تركه.. كأن الكسل أو الميل إليه، رد فعل على ما فى تركيب حياة كل حى آدمى أو غير آدمى، من ضرورة وحاجة إلى الحركة والسعى الدائمين لاستمرار وجـوده مدة أجله.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (938)

ويلازم اعتياد الكسل فى غالب أحواله عادات تتفرع عنه وتلتف حوله.. بعضها أو كلها يقاوم كل ناحية من نواحى الملل الهائل الذى ينمو بالضرورة حوْل حياة أغلبها فراغ خانق لا يعرف صاحبه حقًا ما يصنع به أو فيه.. منها اعتياد سهر الليل ونوم النهار، ومنها القمار وليالى الأنس الخالية المعنى والروح، ومنها ملازمة المسكر والمخدر، ومنها الاستسلام المطرد لسطحية العيش والفكر، ومنها ضعف الإحساس بالقيم والمبادئ والأخلاق والواجبات، ومنها وهن الصلات والروابط التى تربط البشر بعامة بالأسرة والأهل والجيرة والمنبت فى البيئة والوطن والإنسانية !

فالكسل أب عام لكل قعود وتراخ وهرب من الكفاح والاجتهاد والعمل الجاد.. يتعمده أو يتعوده الآدمى فيما بينه وبين نفسه لتعلة يتعلل بها حين تشرع نفسه فى ملامته، أو عندما يتعرض لملامة من يعترضون على مسلكه أو ينتقدون حاله ومآله. لأنه فى خدمة اعتياده على كسله اعتاد على الأنانية، واستمرأ الامتثال لمطالب ذاته وفراغات ذاته وأخذ كل ما يمكنه أخذه مما يشتهيه ويرغب فيه.. لا يبالى بتبادل الالتزامات إزاء تبادل الحقوق فى الجماعة، ولا يأبه بضرورة تعاون وتساند وتكافل الأفراد فيها، ولا يكاد يشعر بتبعته أو مسئوليته قبل أحد خلاف ذاته !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (941)

وجرأة الكسل والكسالى معروفة مشهودة.. إذ الجرأة لا تخرج عن كونها ضربا من المخاطرة.. لا دخل فيه للحق والباطل والصدق والكذب.. قد تنتهى المخاطرة بنجاح أو بستر أو بفشل. واحتمال النجاح أو الستر هو السلاح الذى يعتمد عليه الجرىء.. وكلما تكررت المخاطرة ومعها نجاح أو سترْ كلما زاد ميل الحى إلى الجرأة وإلى إعادة المجازفة وزاد استخفافه بالإقدام عليها وزاد استبعاده لإمكان فشلها أو خيبتها !

ومن العجيب أن هذا التشخيص للجرأة يصدق على جرأة الكسلان وغير الكسلان.. لأن كل آدمى فى أى زمان ومكان يمارس هذه الجرأة كثيرًا أو قليلا فى أى ظرف وأى اتجاه، وهى واضحة فى حياة الآدميين فى ماضيهم السحيق وفى حاضرهم وفى كل مساعيهم العامة والخاصة.. لأن جل حياتهم فى يقظتهم ومنامهم احتمالات يُغرى كثير منها بالإقدام على المخاطرة والمجازفة المحسوبة بعناية أو غير المحسوبة.. والواقع أن كافة المشاريع والمؤسسات والأنظمة، سواء فى البلاد المتقدمة أو المتخلفة، ماثل فيه عنصر المخاطرة والمجازفة.. لأنها جميعا ومن ساعة إيجادها تواجه وتتعامل مع مستقبل وأمور مستقبلة ومتعاملين وعملاء غير معروفين قد تتوقع فقط عددهم أو أنواعهم أو سلوكهم أو مطالبهم.. وقد يصدق هذا التوقع أحيانا كثيرة، لكنه قد يخيب فى بعضها.. فنطاق الجرأة البشرية متسع يناسب توقعات اليقظ الملتفت المجتهد لكن لا يناسب أمانى اللاهى الكسلان إلا نادرًا جدًا !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (939)

ذلك لأن حياة كل حى من بدايتها مشروع لا يتحقق إلا تدريجيا فى زمان قابل وممتد يقصر أو يطول، ويشترك الحى فى تحقيقه على صور مساعٍ متكررة غير واعية أو واعية، كالحاصل عند الآدميين.. وهى جميعًا مساعٍ مؤقتة فقط، ودائمًا لا يفارقها التوقع والتوقيت.. لأن وجودها يتكامل مع السعى والوقت بخلاف وجود غير الأحياء الذى يتغير ويتكاثر ويتفاعل ويتراكم ويتحلل ويذوب ويتبخر ويتطاير ويعلق ويتجمد ويمتزج ويختلط.. كل ذلك بلا تخطيط مفروض أو مقصود. فيما عدا فسحة الحكمة الإلهية التى استوعبت الحى وغير الحى. ومحال أن تصل إلى حقيقتها وسائل وأدوات وأجهزة وعلم وخبرة ومثابرة أفذاذ الآدميين مهما تقدمت وأتقنت وتطورت.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »