رجائى عطية

من تراب الطريق (753)

شارك الخبر مع أصدقائك

الإنسان موقف، لأنه كلمة.. والكلمة ليست مجرد فقط من حروف تقال، وإنما هى ارتباط وعهد وميثاق.. يرتبط الإنسان بكلمته، ومن حق الآخرين أن يفترضوا احترامه لها والتزامه بها، أيًّا كان دينه وأيًّا كانت طائفته أو ملته، وأيًّا كان غناه أو فقره، أو ذكورته أو أنوثته، وجاهه أو تواضعه.. ترى ذلك فى القرآن كما تراه فى الأناجيل التى كرمت المسيح عليه السلام بأنه كان فى البدء كلمة، وفى القرآن الكريم أن الكلمة أمانة، وأورد فى عدة مواضع وجوب احترام الكلمة والعهد والميثاق، فالشهادة أمانة تبذل للحق وتقام لله، ولا تُكتم لأن إبداءها موقف.. والوفاء بالوعد والعهد والميثاق مبدأ وموقف واجب أوصى به القرآن المجيد فقال: «وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً» (الإسراء 34 )، وقال فى صفات المؤمنين: «وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ» (البقرة 177)، وأمرهــم فقـال لهم:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ» (المائدة 1)، ودل علـى أن الوفـاء بالوعد خُلق الأنبياء فقال: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّــا»

(مريم 54 )، والجنة ثواب من يوفون بالعهد والوعد، الذين قال القرآن فيهم: « وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (المؤمنون 8 ــ 11).

عن أن الإنسان موقف، وضع الأستاذ محمود أمين العالم كتابًا ضافيًا جمع فيه بعض من ازدانت حياتهم بالمواقف.. فتكلم فيمن تحدث عنهم عن الكواكبى رائد الحرية والفكر الديمقراطى، وعن الشيخ على عبد الرازق كاتب «الإسلام وأصول الحكم»، وعن الشيخ أمين الخولى: رائد الفن والحياة، وسلامة موسى رائد الفكر العلمى، وأحمد حسن الزيات ورسالته فى حياتنا الثقافية، وعمر فاخورى الأديب الثورى، وطه حسين مفكرًا، ومحمد كامل حسين ومنظومته الفكرية، وقدرى حافظ طوقان العالم العربى من جيل النار، والدكتور زكى نجيـب محمود: قصة نفس، وعلى النشار: جوهر الفكر الإسلامى .. وآخرين.

وحسنًا فعلت الهيئة العامة للكتاب حين أعادت طبع هذا الكتاب عام 2001 ويسرته بثمن زهيد ضمن مكتبة الأسرة بمهرجان القراءة للجميع.

ذكر الأستاذ العالم فى مقدمة الطبعة الثانية (1994) أنه لم يختر الشخصيات ـ كما ذكر فى مقدمة الطبعة الأولى (1971) ــ وفقًا لتخطيط معين، بل إنها لا تكاد تشكل كل من التقى بهم من شخصيات سياسية وفكرية وأدبية وفنية فى رحلة حياته، وإنما هى شخصيات تشرف فى الكتابة عنها فى إطار ملابسات حياتية واجتماعية وثقافية معينة، ولذلك فإن هذه الصفحات تفتقر إلى شخصيات أخرى لا تقل ـ موقفًا ـ عن الشخصيات التى أوردها.

الإنسان هو أروع ثمار الحياة، عقلها الواعى، وقلبها المشتاق بحسها الفنان، وإرادتها الفعالة.

والإنسان فى جوهره موقف. إنه ليس مجرد إشباع لرغبة، أو استجابة لمؤثر.. وإنما هو أيضًا ـ وفى الجوهرـ إضافة عبقرية خلاقة للحياة، وتاريخ يتدفق صاعدًا، يعمل ويعانى، ويكتشف ويتخطى ويجدد ويبدع.

والإنسان هو الكائن المطلق المنفرد الخاص الذى نجده فى كل إنسان. فلكل إنسان فرد قسماته وخصائصه، وقدراته وإضافته ذات المذاق والإيقاع الخاص، والنسيج الخاص.

ومن إدراكنا لهذا الكائن العام فى التاريخ الموضوعى للإنسان ومن إدراكنا لهذا الكائن الخاص ذى العمق الذاتى والتنوع الخصب.. منهما معًا تبرز لنا الملامح الأصيلة لإنسانيتنا.

هذه المجموعة التى تضمنها الكتاب، تعبر فى حصيلتها النهائية عن حقيقة بسيطة للغاية، ومهمة أيضا للغاية، هى أن الإنسان موقف.. موقف إيجابى من نفسه ومن حياته، ومن مجتمعه ومن عصره.

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »