رجائى عطية

من تراب الطريق (752)

شارك الخبر مع أصدقائك

الحى عبارة عن مجموعة أنماط لأنه مجموعة عادات مكتسبة فى وقت أو آخر من أوقات حياته. وأنماطه برغم استقرارها ليست عصية على التغيير والتبديل بتأثير التغيرات التى تطرأ على نموه وسنه وصحته والتى تطرأ على ما يعتاد أن يشهده من التغيرات التى يشعر بها واعيا أو غير واع، فى محيطه المباشر وغير المباشر. وفى هذه الغابات الكثيفة المتشابكة من الأنماط والعادات، يعيش الآدمى وعيه وفهمه وذوقه وخياله وعواطفه وعقله وفكره. وكثيرا ما يتصور إمكان الهرب من كثافة تلك الغابات، ولكن نجاحه فى ذلك المسعى محدود جدًا نسبى جدًا.. إذ تركيزه على مقاومة جانب العادات والأنماط ينسيه وجود باقى الجوانب الأخرى التى لا أول لها ولا آخر فى كيانه.

لذلك كانت رؤيتنا مهما أوتينا من البصيرة والفهم والذكاء وحسن التصور، دائما مجرد إطلالة قاصرة من نافذة أو طاقة السجين الذى يرزح تحت أغلال يستحيل عليه أن يفارقها ما دام على هذه الأرض، لكنه لا يكف عن مواصلة الإطلال والتطلع ويجنى من ذلك مزيدًا مباركًا من الفهم والإدراك ويتحقق له المزيد من الترقى والتطور.. ومع الوقت يزيد تخليه عن الفكر القديم الساذج الذى يستشرف مرحلة الوصول إلى نهاية مريحة تنتهى عندها حاجة الآدمى إلى المزيد من المجهود لأنه بلغ مرحلة الاستمتاع والتلذذ الدائمين اللذين لا يعكرهما معكر!.. وهذا لا يطيقه البشر على هذه الأرض، لأنهم كما قلنا نسيج الاحتياج والاعتياد.. راحتهم الطبيعية راحة دائما بينية مؤقتة بين جهدين، يستدعيها جهد ويعرض عنها جهد آخر

وهكذا.. وإلغاء المتاعب والحاجات لازمه إلغاء الأنماط والعادات واختفاء الحياة كما يعرفها الآدميون اختفاء تامًا وإن كانت لا تختفى عن خالقها ومبدعها عـز وجل.

وهذه الحياة المتوقفة على دوام السعى اللا إرادى والإرادى، يعمل الآدميون فيها دائمًا ما وسعهم.

ذلك إلى تخفيف وتلطيف ضرورة وعبء ذلك السعى، بالتماس أسباب الراحة تارة والمتعة تارة أخرى.. وكثيرا ما لا ينجحون، لأن الراحة والمتعة يخضعان لناموس الاعتياد والعادة وما يتبعه من تبعات ونتائج.. منها الأنانية والكسل وعدم المبالاة والإهمال والإسراف وتعطل النظرة إلى الغد وقلة الشعور بالمسئولية التى ليست إلاّ حساباً لما سوف يكون!

وثمرة إيماننا فى الدنيا بالآخرة هى الاستقامة والإنصاف والتواد، أما ثمرته فى الآخرة فهى أملنا فى هناءة وراحة خاليتين من المنغصات والمؤلمات التى نشهد بعضها ونخاف من بعضها الآخر فـى حياتنا هنا.. وهما أى العنـاء والراحة تميزان آخرتنا تمييزًا يستحيل أن نجد مثله على هذه الأرض.. إذ هو رجاء يصاحبه تصور خوف على مقداره من الشرود والعصيان والتمرد والشر.. حيث لا ينقطع لدى الآدمى ملازمة صور الرجاء واليأس والفوز والخيبة نظرًا لتداعى الأضداد فى المخيلة تداعيا آليا أو شبه شعور منا بوجود الاحتمال وذبذبة كيفيته فى الدنيا.. وكل ما معنا هو قياس ناقص شديد النقص للآخرة المرتقبة على الدنيا التى يعرفها كل من عاشها.. فالآخرة افتراض لآمال ومخاوف هائلة واسعة إلى غير حد.. يفر بها كل منا إلى خياله المألوف حسبما يشتهى أو يشفق، فرارا ينتهى حتمًا بموته!.. ولذلك نحن دون أن نشعر نعامل الآخرة على قدر خوفنا الحقيقى إذا كنا ملتفتين إليها.. وهذا هو حال معظمنا فى كل زمان ومكان حتى فـى الفتـرات التـى تعلـو فيها الأصوات بالتذكيـر بها والتهديد بالشرور البشعة التى تصيب الآدمى من نسيانها أو إهمال أمرها ودورها فى حياته حاضرها وقابلها، الضيق هنا والفسيح، المفرح أو المزعج فيما بعد الموت.. هذا الموت المحتوم الذى نتوقعه فى تقديرنا الآن فى دنيا البشر المتطورة المتغيرة التى تسوس وتنظم سلوك أبنائها منذ القدم عن طريق الثواب والعقاب والعفو والصفح والإغفال.. وهذه جميعا عوارض معها عواقب عامة مستقبلة ويختلف تأثيرها الحاضر الفعلى باختلاف الأحوال والأزمنة!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »