رجائى عطية

من تراب الطريق (749)

شارك الخبر مع أصدقائك

هيبة الدولة واحترام القانون

تتفق كافة الأطياف السياسية، فى البلدان بعامة، على أن هيبة الدولة ضرورة لا محيص عنها لاستقرار النظام وسواء واستقامة إدارته وأدائه وعطائه.. وهيبة الدولة تعبير اصطلاحى يعبر عما يجب أن يكون لها من احترام يرتضيه المجتمع وينتظم فيه ويتناغم معه بلا استبداد ولا تحيف، وبلا تفريط أو تسيب، هذا الاحترام قوامه هيبة واحترام الجميع للقانون بعامة.. حاكمين ومحكومين.. تنهض فكرة هيبة الدولة فى الأساس علـى «احترام القانون»، وهو احترام لا يتجزأ ولا يتبضع ولا يُطالب به أحد دون آخر، أو يسرى علـى أحد دون غيره.. الكل أمام واجب الالتزام به سواء، لا تفرقة بين غنى وفقير، أو عالم وجاهل، أو بين حاكم ومحكوم.. وإذا كانت هيبة الدولة على رعاياها مستمدة ومحكومـة بالقانـون الذى يجب عليهم أن يلتزموا حدوده، فإن احترام الحكومة للقانون هو حجتها فى إلزام المحكومين باحترامه.. هذا المبدأ هو أساس بناء الدول، وقوام شرعية الحكم فيها، ولذلك تبنته النصوص الدستورية فى الدساتير المصرية المتعاقبة، مثلمـا تبنته دساتير العالـم المتحضر.. لم يكتف المشرع الدستورى بنص المادة / 64 دستور التى جرت على أن: «سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة»، وإنمـا زاد المبدأ تأصيلا وبيانـاً وتوكيدًا بنص المادة / 65: «تخضع الدولة للقانون».. خضوع الدولة للقانون هو أساس شرعية إخضاع المحكومين له، ومن المحال أن يقر فى أخلاد المحكومين المعنـى الحقيقـى لاحترام القانون إذا ما أمسكت السلطات بصولجانه حين تريد وترخصت فى تجاوزه حين تشاء.. هذا الترخص هو بداية زعزعة هيبة القانون ومن ثم هيبة الدولة ذاتها !

فكرة القانون تقوم على أنه قاعدة ملزمة لكافة المخاطبين بأحكامه، ولا تستقر طاعته والالتزام الحقيقى به سرًا وعلانية، إلاَّ إذا قام تراضٍ عام على احترامه والتزام بأحكامه.. وهذا التراضى العام يتفكك ويتحلل إذا أصاب إعمال القانون «رخاوة»، أو مازج تطبيقه تمييز يخرج بأى قدر عن فكرة أو مبدأ «المساواة» التى قننها الدستور.. حين تستبيح السلطات بعامة تجاوز القانون، فإنها تعطى للناس صكًا على بياض بمخالفته.. مهما أظهـروا احترامه علنًا، فإنهم سيحتالون بكل السبل لمخالفته ما دامت السلطات لا تحترمه !

على قدر ما تبذل الدولة من جهود غير منكورة فى رعاية القضاء، وأخرى ملموسة فى تكريس الأمن، إلاَّ أن أحدًا لا يستطيع أن يغضى عن الكم الهائل من الأحكام القضائية النهائية التى لا تنفذ، ولا عن الذين يتمكنون بالآلاف من التسرب والإفلات من العقوبات المقضى بها عليهم.. هذه الرخاوة تخل بهيبة القانون ومعها هيبة الدولة، وتقوى الشاردين على التماس المسالك ـــ وهـى عديدة ! ـــ للإفلات من المسئولية، وتجرىء آخرين على محاكاتهم، وتسحب من احترام القانون، وتشجع من يشاء على أن يتخذ لنفسه قانونه الخاص الذى يشاء، ما دام القانون قد صار إلى هذه الرخاوة.. يطبق حينا، ولا يطبق أحيانا، ويُتجَاوز ويُضرب به عرض الحائط فـى أحيان أخـرى.. أخطـر وأبعـد أثرًا من التراخى فـى تنفيذ الأحكام، أن تمتنع السلطـات ذاتها عـن تنفيذها حين لا تروقها، أو تسوف باللجوء إلى قضاء غير مختص استشكالاً فى تنفيذ أحكام إدارية سبق لها أن أعلنت عدم قانونية الاستشكال فى تنفيذها إلاّ لدى القضاء الإدارى الذى أصدرها ! حين تتوه البوصلة حول القانون الذى يعتصم به المدعى والمدعى عليه، والحاكم والمحكوم، والطالب والمطلوب، لا يبقى أمام الناس إلاَّ أن يعتصم كل واحد منهم بقانونه الخاص الذى يستطيع به تسليك مسالكه ودروبه !.. حين تعلو ارتفاعات مبانى السلطات الرسمية بالأحياء والمـدن ـ وهـذا حاصل ومتكـرر ! ـ فوق قيود الارتفاع التى قررتها الدولة، شجع ذلك كثيرين ــ وقد كان ــ على العشوائية وعلى الارتفاع، وأفقد الدولة حجتها فى دعوة الناس لاحترام قانون أو نظام لا تحترمه هى !.. لا يمكن للمواطن أن يفهم كيف تصادر الحكومة حقوق انتفاعه بملكيته الخاصة على ما اعتبرته أثرًا واجب الحماية حتى ولو امتلكه أفراد ملكية خاصة بالميراث أو الشراء، بينما هى لا تبالى بهدم المبانى الأثرية، وتسمح بتشغيل الأرض بعد الإزالة فى مشروعات خاصة !.. حين تستسهل الدولة إغلاق شوارع ـــ مهما كانت الاعتبارات ! ـــ أو تغليق الدومين العام أو شغله بممتلكات خاصة، كان ذلك بمثابة إعلان لتساهل الدولة ورخاوة قبضتها وهيبتها إزاء ما يقع كل يوم من تعديات على نهر النيل وعلى أنهار الطرق وعلى الأرصفة وفى أرقى أحياء المدن وعلى الدومين العام !

حين تشيع سنن جديدة، تختص بالتعيين ـــ بغير ضوابط موضوعية ـــ لأبناء المسئولين أو العاملين فى هذه السلطة أو الهيئة أو المرفق أو المعهد، ويستشرى ذلك حتى يطغى على المقاييس الموضوعية للمقارنة والتفضيل القائمة على أسبقية التفوق وحيازة عناصر كفاءة موضوعية، تتنامى ثورات فى داخل كل من غبن فى فرصته ومعه أهله وكل من أمضته المفارقة الجائرة.. مع هذه وتلك تصاب عمومية احترام القوانين فى الصميم، وتتوارى معها شيئًا فشيئًا هيبة الدولة التى تركت للسلطات أن تفرض كل منها ما تريده خلافًا للقانون الذى يستمد مشروعيته من تراضى وتوافق الجميع على احترامه !

حين تتسع رقعة القوانين الاستثنائية، أو التصرفات والتقريرات المستثناة، يضمر احترام الناس للقانون العام، ويضمر إحساسهم بالمساواة وبالعدالة التى هى فى رمزها معصوبة العينين، لا تميز غنيا على فقيـر، ولا حاكما على محكـوم، ولا قويا على ضعيف، ولا متمكنا على مغبون، ولا مقتدرًا على مضيع.. فكرة العدالة جزء لا يتجزأ من مشروعية وهيبة الدولة، وهى مقررة لجبر الجانب الضعيف حتى لا يجور عليه الجانب القوى.. محور هذه العدالة هو سيادة القانون وخضوع الكافة له وفى مقدمتهم الدولة التى عنى الدستور بالتنصيص على أنها تخضع للقانون. هذا الخضوع هو صك مشروعية العقد الاجتماعى الذى يرتضيه أطراف المجتمع ويلتفون بمقتضاه وتحت حمايته حول قواعد عامة تحكم حركتهم وتحمى حقوقهم وتقيهم غائلة التجبر أو العدوان أو الانفلات!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »