رجائى عطية

من تراب الطريق (744)

شارك الخبر مع أصدقائك

مهما كبر الإنسان، أو تقدم به العمر، أو ارتفعت المكانة ـ يحتاج دوما إلى مرفأ.. يأوى إليه حينا أو يلقى همومه، أو يضع رأسه على كتفه ليبكى ويغسل أحزانه، أو يستمد التشجيع والثبات والثقة، أو ينشد النصيحة، أو يتلقى العون والمدد.

ظللت ثلاثين عاما أنعم بهذا المرفأ. تلقانى محمد عبدالله محمد وأنا أقترب من الأربعين، فمنحنى أبوة عريضة، وأستاذية معطاءة، وعاطفة متفهمة حانية.. أعطانى من علمه وأستاذيته ما جعلنى من صناعة يديه.. ولكن أميز ما شملنى به ـ هو أبوته الحانية، وواحة الأمان التى ألجأ إليها حين يحزبنى أمر، أو تلم بى ملمة، أو تستعصى علىّ رؤية.

لازلت أذكر أبوته الحانية عندما ذهبت إليه شاكيا من فقدانى تدفقى بعد أن لامسته فى إحدى القضايا وبهرتنى عظمته وقوة عارضته وعمق أفكاره، فهانت أمامى الفصاحة والبلاغة اللفظية، وتضاءلت أمام العبقرية العقلية اللامعة. يومها اهتزت ثقتى فى الفصاحة وأساليبها، واهتزت خطوط التوصيل بين العقل واللسان، وتعثر التدفق وانحبست الطلاقة، فذهبت إليه أشكو ما أنا فيه، فإذا به يخفف روعى، وينتشلنى من وهدتى بعبارة واثقة حانية لازلت أحفظها عن ظهر قلب. قال لى : «لا تقلق أنك توقفت وتأملت وراجعت. كثيرون يأتون إلى الحياة ويفارقونها كما دخلوها دون أن يتوقفوا أو يتأملوا أو يراجعوا. توقفك يعنى أن “ شجرتك طيبة وستورق».

من يومها فى السبعينيات ـ لم أفارق هذا المحامى العلامة المفكر الجليل حتى فارق دنيانا فى أوائل القرن الواحد والعشرين. لازلت أذكر كيف وجدت لديه المرفأ حين ألمت بى ملمة شديدة، حزبنى أمرها.. ولم يأخذ بيدى ويكفكف عنى إلاَّ أبوة هذا الإنسان العظيم. ظل محمد عبدالله محمد لأكثر من ثلاثين عاما المحور الحاضر فى حياتى. قد مرت على رحيله تسعة عشر عامًا، ومع ذلك لا يمضى يوم دون أن أتذكر محمد عبدالله محمد، أفتقده وأترحم عليه ويوحشنى فراقه. لم أعد أجد المرفأ الذى كنت ألجأ إليه، ولا الأنيس الذى كان يؤنس عقلى ويهدى خطاى وينير طريقى.. كم أدرك اليوم أننى بأشد الحاجة إليه، وأتذكر كلماته أن غربتى فى المحيط سوف تزداد. لماذا يا محمد بك ؟! فتأتينى كلماته العميقة أن الناس الخلصاء للحق والحقيقة تصيبهم الغربة على الأيام وسط محيط يضمر فيه الإخلاص وينطمر الوفاء وتجف القلوب. كانت كلمات محمد عبدالله محمد هى الموحية لمقال كتبته فى

نوفمبر 2002 بعنوان : «غربة القريب»!

كم أحس بالغربة فى هذا الزمن الكسيح، وكم أحس بالوحشة الشديدة وسط محيط نضبت فيه معانى الوفاء وتلاشى الإخلاص وتفشت المظهريات وتقلص الصدق وضمرت المشاعر !

نظرت حولى وسط الهجير الذى أحاط بى وأخذنى من كل جانب، فلم أجد «المرفأ».. رحل محمد عبدالله محمد، ولم أجد من يملأ مكانه الشاغر. سيظل مكان محمد عبدالله محمد شاغراً لا يملؤه ولا يقدر على ملئه أحد. محمد عبدالله محمد هو الأب الذى تيتمت بعده للمرة الثانية بعد يتم الأب، وهو السند الذى لم أجد عوضاَ عن عقله وقلبه وفهمه وعطائه، وهو المعنى الذى تاهت واضطربت من بعده المعانى!!

أبى الروحى محمد عبدالله محمد. كم أوحشتنى. يرحمك الله رحمة واسعة.. ويلهمنى الصبر والعزاء حتى ألقاك !

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »